الصفحة 192 من 373

أحس بالدفء فعدل جلسته، ثم شعر بالنعاس يداعب أجفانه فأغمض عينيه. ارتاح قليلًا وفتحهما.. رأى السيل يتدفق إلى عمق الكهف وينحدر هادرًا في هاوية عميقة جدًا. كانت المياه تحفر في جنبات الكهف، فرأى الحطاب الفقير طرف صندوق قديم، كالذي تصفه الحكايات الشعبية، يظهر قرب الصخرة التي في طرف الكهف الآخر. دلك عينيه بيديه، وأمعن النظر فزادت رؤيته وضوحًا. أذهلته المفاجأة فظل كالمشدوه فترة. ولكنه استعاد وعيه وقفز إلى حيث الصندوق، أمسكه بيديه القويتين وشده بقوة. سحبه إلى قرب النار ورفع الغطاء، فشع من الصندوق بريق يبهر النظر. كانت الجواهر والأحجار الثمينة والحلي الذهبية أكثر مما يستطيع خيال الأغنياء تصوره. انحنى الحطاب فوق الصندوق وشده إلى صدره بقوة.

ظل منحنيًا فوقه زمنًا، ثم فطن إلى أن الزمن يمضي سريعًا، وأن عليه أن يقوم بعمل ما. هل يترك الصندوق في الكهف أم يأخذه إلى بيته؟ ألا يأتي أحد ويأخذه إذا تركه؟ ألن يراه الناس ينقله إلى بيته؟ ألن تراه زوجه وأولاده؟ هل يستطيعون كتمان السر؟ ألن تخبر زوجه أهلها وأهله، وكلهم فقراء مثله؟ ألن يطلبوا منه العون والمساعدة؟ أيتركهم يعانون أم يقاسمهم كنزه؟

وتضاربت الأفكار في رأسه حتى شعر أنه لم يعد قادرًا على فهم أية فكرة. وراحت الصور تمر بخياله وهي على أشد ما تكون من التشابك والاختلاط.

عاد ينظر إلى الصندوق. كانت في إحدى زواياه قطعة من الحرير الأحمر، مصرورة على شيء ما. مد يده وتناول الصرة، ثم فكها فوجد داخلها قطعة من الجلد، كتب عليها بحروف مذهبة:"كنزت هذا الكنز، وها أناذا على فراش الموت. بقيت طوال عمري أفكر في مسألة لم أجد لها جوابًا مقنعًا: هل أُنفقه فيما ينفعني وينفع الناس أم أبقيه لزمن الشدة، فأنجو به بنفسي وأبعد عني أنياب الفقر؟ لقد أخفيته في هذا الكهف، وعشت حياتي فقيرًا، لأنني كنت أخاف الفقر. وأنت يا من وجدت كنزي، ما أنت فاعل به؟ هل ستنفقه الآن أم ستتركه لأيام الشدة؟ لقد متعت نظري بأحجاره الثمينة زمنًا طويلًا، وها أنا ذا أفتح عينيّ فلا أرى أمامي سوى شبح الموت... فلتكن حياتي وموتي موعظة لك."

رفع الحطاب عينيه عن قطعة الجلد، وخاطب نفسه:"ولكنه لم يقل لي كيف ينبغي أن أتصرف.. هل يريدني أن أنفق الكنز فيما ينفعني وينفع الناس؟ ولكن، ماذا سيكون مصيري حين ينفد الكنز"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت