ـ تبدو قليل الحكمة أيّها الفتى. صحيح أن مصائب كثيرة قد لحقت بدمشق. ولو نزل بعض تلك المصائب على جبل لتضعضع وانهار.. لكن دمشق ما تزال شامخة صامدة. فبماذا تفسر شموخها وصمودها؟
صمت الفتى وراح يفكر وقد شعر بشيء من الخجل. قال أحد الشيوخ بعد أن فكر طويلًا:
ـ نحن مدينون لك بالشكر الجزيل أيتها الساحرة. لقد أرشدتنا إلى مقتل عدونا.
قالت الساحرة:
ـ لقد أرشدتكم إلى مكان القلب من بلاد يعرب وأخشى أن أكون قد أرشدتكم إلى حتفكم وهلاككم.
ثم تنهدت الساحرة وأردفت:
ـ قلب يعرب في دمشق حبيبته تحنو عليه قلوب أرق من ماء بردى وتحميه صدور أصلب من صخور قاسيون الخالد. وكم من رؤوس حاقدة قد تفلعت على تلك الصدور وتلك الصخور. فحذار! حذار!
حلم مزعج
الريح تعول بين الصخور البيض دافعة الضباب في الوادي فيبدو مثل نهر صاخب من السحب يسير من الأسفل إلى الأعلى. السماء ملبدة بغيوم داكنة. يشقها شريط من البرق المتعرج فكأنه صدوع خاطفة تزعزع جبال الغيم، ثم يدوي الرعد هادرًا فترتعش الغابة وتخشع. ينهمر المطر غزيرًا فتلمع أغصان البلوط والبطم العارية وكأنها حوريات رشيقات يغتسلن ويرتعشن في صخب. أما أشجار السنديان فتقف صامدة بأوراقها الخضر وكأنها تقول للعاصفة:"أنا باقية هنا، وأنت عابرة. سلي هذه الصخور كم رأينا من عواصف وكم واجهنا من رياح."وتصفق أجفان الغار بأكفها الخضر الصغار مسرورة بأغنيات الريح والمطر.
كان الحطاب الفقير قد جمع بعض الأغصان اليابسة ولاذ بأحد الكهوف حين رأى نذر العاصفة. أشعل نارًا، وحين أحس بالطمأنينة راح يفكر:"في الحكايات يجد الكثيرون من الفقراء كنوزًا مدفونة في الكهوف ويصبحون أغنياء. ليتني أجد كنزًا فأصبح غنيًا وأرتاح من الجوع والبرد، والعمل الشاق. ليتني أجده اليوم. ولكن كيف سأتصرف لو وجدته؟ سأشتري بيتًا كبيرًا قبل أن أقوم بأي عمل آخر. إن كوخنا يكاد ينهار فوقنا، ثم سأشتري أحسن الأطعمة لأولادي، وسأشتري لهم ولزوجي أجمل الملابس."