الصفحة 190 من 373

كان يحل بأطراف البادية فتزدهر المدن وتعلو السدود وتسمق الأبراج وتُعلّقُ الحدائق وتصير إحدى عجائب الدنيا. ولم تكن أمجاده في البادية أقل شأنًا من أمجاده عند أطرافها. وعلى الرغم من امتداد البادية لم ينعزل فيها عن بقية أرجاء العالم.

لقد أطمع موقع أرض يعرب الهام وغناها الفائق الكثيرين من الأعداء بها فحاربوه حروبًا كثيرة. كانت قوى يعرب موزعة بين أرجاء البادية وربوع أطرافها... فما أن يمسه الأذى حتى يجمع تلك القوى فتصير باتحادها قوة خارقة تدحر الأعداء والطامعين وترد كيدهم إلى نحورهم.

وأدرك الأعداء سر قوة يعرب فعملوا على تقطيع أوصال أرضه وإقامة الأسوار المنيعة بين أقطارها. وكانوا في كل معركة يشنونها ضده يظنون أنهم قضوا عليه القضاء المبرم. ولكنهم كانوا في كل مرة يصابون بخيبة الظن. فما كانت كل قواهم الشريرة تقدر على القضاء عليه. فقد ضربت جذور يعرب الفتية عميقًا في تربة بلاده وكانت هجمات الأعداء عليه مثل هجمات الرياح التي تهز الشجرة القوية لتقتلعها فتضرب جذورها عميقًا في الأرض وتزداد رسوخًا.

جاءت إحدى الساحرات إلى أعداء يعرب وأخبرتهم أنهم لن يستطيعوا القضاء عليه ما لم يعرفوا سر قوته الحقيقي والتمكن من ضربه.

وسألها الأعداء:

ـ وما سر قوته الخارقة؟

قالت الساحرة:

ـ سر قوته الخارقة هو قلبه الكبير النبيل. أنتم تقطعون بعض الجذور التي تربطه بأرضه فيدفع قلبه الدم النقي الحي فتنبعث آلاف الجذور.

سألها الأعداء:

ـ وماذا نفعل كي نقضي على ذلك القلب؟ وأين أخفاه يعرب؟

قالت الساحرة:

ـ تقول الكتب القديمة إن الفتى يعربا قد أحب فتاة اسمها دمشق فأهداها قلبه الكبير وأطلق اسم تلك الحبيبة على مدينة مجيدة.

قال أحد شيوخ الأعداء:

ـ إذًا، أنت تظنين أن قلبه الكبير الذي يمد جذوره بالدم الحي موجود في دمشق؟

قالت الساحرة:

ـ ليس الأمر مجرد ظن بل هو حقيقة ظاهرة. إن أحداث التاريخ تشير كلها إلى هذه الحقيقة. ألم تر أن دمشق كانت دائمًا المشعل الهادي إلى سبل الخلاص من الأعداء والنداء الداعي إلى جمع الشمل والنهوض كفاحًا في وجه الغاصبين.

صرخ أحد فتيان الأعداء بالساحرة:

ـ ويحك يا هذه! تبدين شديدة الحماسة لدمشق! فهل نسيت المحن التي لحقت بهذه المدينة التي لا تختلف عن بقية مدن العالم بشيء.

قالت الساحرة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت