ـ لقد تجسد أجمل ما في الأزمنة في عزفك. إن الفن النابع من أعماق الإنسان هو دائمًا ابن الحاضر المنبثق من الماضي وهو دائمًا يتطلع إلى المستقبل ويحمل بشائره.
ـ وهل صرت موضع ثقتك يا هيفاء؟
ـ من يفعل بنفسه كما فعلت بنفسك من أجل إيقاظ الناس هو أهل لثقة الناس وحبهم، أنا أثق بك يا سامر وأحبك أيضًا.
ـ كنت واثقًا من أنك لم تتغيري. أنا فخور بك يا هيفاء. أنت تستطيعين الحركة بين الناس أكثر مني. كوني صلة الوصل بيني وبينهم. يجب أن تعملي بحذر ويقظة يا هيفاء!
ـ لم نتعلم شيئًا في هذه المدينة كما تعلمنا الحذر واليقظة. ثق بي يا سامر فأنا أثق بك كل الثقة.
نهضت هيفاء ومضت رشيقة جميلة.. تماوج في جنبات الليل صوت الشبابة تغريدة فرح فأمطر الليل أزهارًا تتراقص نشوى. أطلت من النوافذ رؤوس صبايا وشبان واشرأبت من الأقبية أعناق متعبة.. كان فرح اللحن يغسل أسى القلوب ويفتح فيها نوافذ للأشواق والأحلام. حين تنبه الحراس واندفعوا ليبحثوا عن مصدر اللحن المفرح كانت مئات الشبابات في أرجاء المدينة تعزف اللحن الذي فتح نوافذ الفرح في أسوار الليل. لقد نفض مئات الناس الغبار عن شباباتهم المنسية وشرعوا يعزفون فجن جنون الحراس الذين لم يكونوا قد تدربوا على مصاولة مثل هذا العدو الخطير.
في الأيام التالية صار الشبان يختفون من المدينة بكثرة فظن الناس، أول الأمر، أن الحراس يخطفون الشبان ويخفونهم كما جرت العادة.
وحين خرجت المدينة من أسوارها أدرك الطغاة أن الأسوار كانت وهمًا ظنوا أنه يحميهم من غضب الشعب ويكبت ذلك الغضب.
حكاية يعرب
يعرب رجل أسمر اللون، طيب القلب، مفتول الساعدين جمع بين القوة والحكمة... الفروسية والكرم والشعر والشهامة هي بعض صفاته الكريمة. عاش عهد شبابه الأول في بادية رحبة الأرجاء تمتد فلا يجد الطرف لها نهاية، إلا حيث يخيل للرائي أن السماء انحنت حنانًا وشوقًا لتعانق الآفاق وتبثها الصفاء والألق.
عاش يعرب فترة طويلة يرعى الغنم والإبل، يجوب أرض بلاده الواسعة طلبًا للماء والعشب، يرافقه السيف والرمح والرباب. يقاتل حين يمسه الضيم ويقاتل حين يمسه الجوع ويغني حنينًا إلى الأماكن التي أمضى فيها بعض الوقت وألفها أو كانت له فيها ذكريات جميلة.