الصفحة 188 من 373

سأل سامر:

ـ هل أستطيع الاطلاع على خطتك؟

ـ أجل. سيعود أحدنا إلى المدينة

قال سامر بحزم:

ـ سأعود أنا.. أظن أن الجميع يعرفونك هناك وسيكتشفون أمرك سريعًا فأنت ثائر معروف.

ـ صدقت يا بني. ستعود أنت إلى المدينة وتتنكر في زي شاب فقير وتقف في أكثر الأماكن ازدحامًا بالناس وتستعطي وستعزف الألحان التي سأدربك على عزفها. ستعزف لهم ألحانًا حزينة في البداية. اجعلهم يشعرون بالحزن فدموع الحزن تجلو العيون فترى وتبحث عن الفرح. وسيدعونك إلى حفلات أفراحهم الصغيرة لتعزف لهم، وهنا تقع على عاتقك مهمة أكبر: عليك أن تثير في قلوبهم الشوق إلى الأفراح الكبيرة.. وحين يتفتح الفرح الكبير في قلب الإنسان تتفتح في أعماقه أزهار الكرامة.. وحيث تنمو هذه الأزهار يتلاشى الذل والخنوع وتنتصب قامات الرجال والنساء. وكلما رأيت قامة تنتصب أرسل صاحبها إليّ عبر النفق السري وسأقوم هنا بتدريب القادمين على حمل السلاح.. وحين تبدأ المعركة الفاصلة ستعزف على هذه الشبابة ألحان الحمية والثورة وستردد آلاف الأفواه الثائرة أناشيدنا المجيدة. هيا خذ هذه الشبابة يا بني وهلمَّ أدربك على العزف فنحن في سباق مع الزمن..

تناول سامر الشبابة بأنامل مرتعشة وراح يعزف ما كان قد تدرب على عزفه أيام طفولته. هتف الشيخ حمدان معجبًا:

ـ أنت تجيد العزف يا بني وتعرف جيدًا من أين تبدأ!

بعد أيام عاد سامر إلى المدينة. صار ينزل نهارًا إلى الأسواق في زي شحاذ فقير وينفخ في شبابته فتنوح وتحرك أشجان صدور الناس فتدمع عيونهم.. وفي أول الليل يجلس على مكان مرتفع ويرسل ألحانه الشجية فتهب أنسام وتترقرق ينابيع وتتماوج حقول وترفرف أجنحة. وذات مساء رأى نافذة تفتح ثم رأى أخرى وأخرى فخاطب نفسه:"كنت على صواب يا شيخ حمدان، لقد بدأ الناس يفتحون نوافذهم للهواء النقي وسيطرد الهواء العفن من بيوتهم ومن قلوبهم.. وعما قريب سوف تنتصب قامات الرجال".

وفي ليلة تالية أتت هيفاء وجلست قربه وهو مستغرق في العزف. قالت له حين أنهى معزوفته:

ـ سلمت يداك يا سامر. لقد فعلت ما لم يفعله سواك.

ـ هيفاء! كيف عرفتني!

ـ وهل تظن أني نسيت أيام طفولتنا يا سامر؟ لقد عزفت على شبابتك هذه ألحان أغنيات تلك الأيام فأثرت شجوني وعرفتك فأتيت إليك.

ـ أثير أشجان الماضي وأفراحه كي نصحو على الحاضر ونعمل للمستقبل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت