ذات يوم اتّخذت الحقيبة قرارًا مهمًا، توصّلت إليه بعد تفكير طويل.. فقد صمّمت على الهروب قبل أن يغدو مصيرها كمصير الكتب، والدفاتر، وبقية الحاجيات التي أهملها مازن، ولم يحافظ عليها.
الطمّاع
تدلّت أغصان شجرة الكرز خارج سياج البستان. رآها رجل يمر من هناك كلّ يوم قاصدًا مكان عمله، فوقف يتأمّل، ويتمنّى لو يستطيع أن يقطف منها.
لمحه صاحب البستان، فاقترب منه قائلًا:
-كُلْ ما تشاء أيّهاالرجل، فأنا قد سمحت للعابرين بقطف ما يتدلّى خارج السور.
سُرّ الرجل بموقف البستاني، وصار كلّ صباح يقف عند الشجرة، ويأكل منها.. إلى أن جاء يوم خاطب فيه نفسه:
-لماذا لا أحمل لزوجتي وأولادي شيئًا من هذه الثمار.. فكم حدّثتهم عنها، وكمْ تمنّوا أن آتيهم بها.. إنّهم يحبّون الكرز كثيرًا.
قفز الرجل عن السور، وصعد إلى أعلى الشجرة، وقطف سلّة صغيرة. في يوم لاحق فعل فعلته ذاتها، وقطف سلة أكبر... وتكررت محاولاته دون أن يدري صاحب البستان بأمره.
ذات مرة، وبعد أن ملأ صندوقًا كبيرًا من الثمار اليانعة الناضجة، وهمّ بمغادرة البستان، قافزًا من فوق السور، فاجأه كلب الحراسة بهجوم مباغت، وبدأ يمزق له ثيابه، ويعضّه في مختلف أنحاء جسمه.
عيد ميلاد
فكّر النبع الصغير أن يحتفل بعيد ميلاده الأول، فقد مضى عام على ولادته، وكان ذلك منذ صيف فائت، حيث دفعت به الأرض إلى الوجود، بعد أن خزّنت الأمطار في جوفها طيلة الشتاء.. وعندما آن الأوان قرّرت أن تخرجه إلى النور عذبًا رقراقًا، يروي العطش، ويسقي السهول الواسعة.
دعا النبع إلى الإحتفال أغلب أصدقائه.. الفراشة. العصفور. النحلة. الوردة. الطفل الصغير. فرح الجميع بدعوة النبع، وسعدوا بذلك اللقاء الحميم.
وبعد أن شرب كلّ منهم قطرة ماء، قررّوا أن يقدّموا الهدايا لصديقهم.
رقصت الفراشة:
"إليك يا صديقي ألواني اللطيفة التي أخذتها من ألوان الأرض."
زقزق العصفور:
"سأغني أغنيتي التي علّمتني إيّاها الأرض"
حامت النحلة:
"وز.. وز.. أعطيك نقطة عسل منحتها لي براعم الأرض."
أمالت الوردة رأسها:
"أما أنا.. فأزين صدرك بوريقات ناعمة أهدتني إيّاها أمي الأرض."
فرح الطفل صديق النبع بذلك الإحتفال، وفكر مليًّا بالهديّة التي سيقدّمها. وبعد قليل، أتى بريشة وألوان وورقة بيضاء، وراح يرسم..