ذهب مازن وأبوه إلى السوق، وبدءا يفتّشان عن الحقيبة المطلوبة. في الدكّان الأول لم يجداها.. في الدّكان الثاني لم يجداها... وكذلك في بقية الحوانيت والمجمعات.. فمازن كان يريد حقيبة ذات ألوان زاهية، ومواصفات معينة.. وأخيرًا، وبعد جهد جهيد، وبعد أن مضى نصف النهار في البحث التقى بضالّته المنشودة، ورأى حقيبته عند بائع جوّال.
-إنّها هي.. هي من افتشّ عنها.
صاح مازن والفرحة ترقص فوق وجهه، متابعًا كلامه:
-سأتباهى بها على كلّ زملائي في المدرسة.
-المهم أن تحافظ عليها، وعلى جميع أشيائك الأخرى.
-لابأس.. لا بأس.
اشترى الأب لابنه كلّ ما يلزمه من حاجيات مدرسيّة.. كتب، دفاتر، أقلام تلوين، قلم حبر، قلم رصاص، ممحاة، مبراة، ولم يعد ينقصه شيء أبدًا
فرحت الحقيبة بأصحابها الجدد.. قالت لهم:
-سنبقى أصدقاء طوال العام. ونمضي معًا أيامًا جميلة.
-إن شاء اللَّه.. إن شاء اللَّه.
أجاب قلم الرصاص، ولم يكن يدري عن مصيره المنتظر شيئًا على الإطلاق.. فلم يمض اليوم الأوّل على افتتاح المدرسة، حتى كان مازن قد استهلك قلمه تمامًا، من جراء بريه الدائم له.
بعد عدة أيام، وبينما التلاميذ يرسمون على دفاترهم شكلًا معيّنًا طلبت المعلمة تنفيذه، جلس مازن في مقعده واجمًا، شاردًا.
سألت المعلمة:
-لماذا لاترسم يا مازن؟..
-لأنني لا أملك دفتر رسم.. لقد مزّقه أخي الصغير.
في درس الإملاء ارتبك مازن وبكى، لأنه أضاع ممحاته، ولم يستطع أن يصحّح الكلمات التي أخطأ بكتابتها.
مسطرة مازن كُسرت، ولم يعد بمقدوره أن يحدّد الأشكال الهندسية، أو يرسم خطوطًا مستقيمة.. وكذلك المبراة، فتّش عنها كثيرًا بلا جدوى.. حتّى الدفاتر اختفت، ثم لحقت بها مجموعة الكتب.
حزنت الحقيبة الزاهية ذات الصور والرسوم لفقدان أحبّتها الذين راحوا من بين يديها واحدًا بعد الآخر.
أخذت تندب وتنوح:
-أين أنت أيّتها الأقلام الملّونة؟. فكم أسعدتني ألوانك الصفراء والخضراء والحمراء. أين أنتَ يا دفتر الرسم الجميل؟.. فكم تباهيت بصحبتك. أين أنتَ ياكتاب القراءة؟، فكم راقت لي مواضيعك القيّمة، وقصصك الممتعة، ودروسك ذات الفائدة.
أين أنتم يا أصدقائي.. إنني غريبة بدونكم، أعاني الحزن والوحدة.. ليس هذا فقط، وإنما هناك شعور بالخوف يتملّكني.