لم يعدْ ديبو إلى البيت، بل ذهبَ إلى ساحةٍ معزولةٍ في حارتهِ، وبدأَ يلعبُ بالكرة، يضربُها نحوَ الأعلى، فتطيرُ في الجوِّ، وتطيرُ معها عيناهُ، وحينما تقعُ، يتلقّاها برأسهِ، أو يضربُها برجلهِ.. كان ولدٌ ماكرٌ يراقبُهُ، فاقتربَ منهُ، وقالَ لهُ:
ـ لماذا لا تضربُها بقوَّة؟
نظرَ ديبو إلى الولدِ، وجدَهُ غريبًا عن الحارةِ، فقال لهُ:
ـ أنا أضربُ كرتي كما أشاء.
ـ أعطِني إيّاها، وانظرْ كيفَ يكونُ الضرب.
رفضَ ديبو أنْ يعطيَهُ الكرةَ، ولكنَّ الولدَ الغريبَ، سرعانَ ما جذبَها منهُ، وركزَها على الأرض، ثمّ تراجعَ إلى الوراء، وضربَها ضربةً قويَّةً، فطارَتْ إلى آخرِ الشارع..
ركضَ الاثنانِ وراءها، وحينما وصلا إليها، التقطَها الولدُ الغريبُ، وانتصبَ واقفًا، وعلى وجههِ ابتسامةٌ ماكرة..
قال ديبو:
ـ أعطِني كرتي.
ـ هذهِ ليستْ كرتَكَ، أخبرْني من أينَ جئْتَ بها؟
ـ اشتريْتُها، صدِّقْني.
ـ لن أُصدِّقَكَ.
ـ لا أهتمُّ بتصديقكَ، هاتِ الكرة.
ـ لن تأخذَها.
خافَ ديبو على كرتهِ، ولم يدرِ كيفَ يُرجعُها، وحينما تذكَّرَ لسانَهُ، قال يُخاطبُهُ:
ـ اليومَ يومكَ يا لساني، أنتَ عدَّتي وسلاحي.
واستلَّ لسانَهُ الطويلَ، مدَّهُ أمامَ الولدِ الغريبِ، وقالَ لهُ:
ـ أُحذِّرُكَ من لساني!
ضحكَ الولدُ الغريبُ ساخرًا..
قال ديبو:
ـ هاتِ الكرة.
رفعَ الولدُ يدَهُ، ولطمَ ديبو على خدِّهِ، فاحمرَّ وجهُهُ، وقال غاضبًا:
ـ لماذا تضربُني يا..
وقبلَ أنْ ينهيَ كلامَهُ، جاءتْهُ ضربةٌ على صدرهِ، فسقطَ على الأرض.
تركَهُ الولدُ الغريبُ، وطارَ بالكرة..
نهضَ ديبو يركضُ وراءهُ، وهو يسبُّهُ، ويشتمُهُ، وعندما أمسكَ بهِ، استدارَ الولدُ الغريبُ، وناولَهُ لكمةً على فكِّهِ، فانطرحَ على الأرض، والدمُ يسيلُ من فمهِ، ولمَّا نهضَ على رجليهِ، أخذَ يلتفَّتُ حولَهُ، فلم
يجدْ أحدًا!
عادَ إلى البيتِ بيدينِ فارغتينِ، وحينما فتحَ البابَ، بادرَ إليهِ إخوتُهُ، وسألوهُ مدهوشينَ:
ـ أينَ الكرة؟!
أطرقَ ديبو صامتًا، لا ينبسُ بكلمة!
تراجعَ الأطفالُ خائبين..
أقبلَتِ الأمُّ، وسألَتْ ديبو:
ـ أينَ الكرة؟
ـ سرقَها ولدٌ غريب.
ـ وماذا عملْتَ لهُ؟
ـ أوسعْتُهُ سبًّا وشتمًا!
قالَتِ الأمُّ غاضبةً:
ـ اللسانُ سلاحُ الجبان!
المِقَصّ
أقبلَ الربيعُ البديع، فازدانَتِ الطبيعةُ بأرديةِ الجمال، وافتتحَتْ أكبرَ معرضٍ للأزهار، وأعلَنَتْ أنَّ الدعوةَ عامّةٌ، والزيارةَ مجانيّة.