الصفحة 143 من 373

ـ حلمْتُ أنَّني عدْتُ من مدرستي، والجوعُ ينهشُ أمعائي، وحينما دخلْتُ عليكم، وجدْتُكم قد فرغْتم من الغداء، ولم تتركوا لي شيئًا، فتَّشْتُ البيتَ كلَّهُ، لم أجدْ أثرًا للطعام، جُنَّ جنوني، وصرخْتُ..

ضحكَتْ أُمِّي، وقالَتْ:

ـ أهذا الذي أخافَكَ؟

ـ وهل هذا شيءٌ قليل؟!

ـ اطمئنَّ يا حبيبي، الطعامُ كثيرٌ، والحمدُ لله.

ونهضَتْ أُمِّي، لتعودَ إلى فراشها، فقلْتُ لها:

ـ أخافُ أنْ يرجعَ الحلمُ ثانيةً.

ـ لو أستطيعُ رؤيتَهُ، لمنعْتُهُ من الرجوع.

ـ تستطيعينَ منعَهُ.

ـ كيف؟!

ـ إذا ملأتِ معدتي بالطعام.

ـ وما أدراكَ؟

قلْتُ واثقًا:

ـ لا يحلمُ بالطعامِ إلاّ الجائعون.

ـ أتريدُ أنْ تأكلَ في هذه الساعة؟!

ـ ولمَ لا؟ أم تريدينَ أنْ يأتيني الحلم؟!

ـ لا تذكرِ الحلمَ ثانيةً، سأجلبُ لكَ الطعام.

وحينما كانَتِ المدينةُ نائمةً، كنْتُ أنا يقظانَ، التهمُ الطعامَ، وأُصغي إلى أنغامِ المَضْغ..

قالَتْ أُمِّي مُشفقةً:

ـ أقللْ طعامَك، تحمدْ منامَك.

ـ سأُكثرُ طعامي، ليطيبَ منامي.

وبعدما انتفخَ بطني، وتعبْتُ من المَضْغِ والبَلْع، ألقيْتُ رأسي على وسادتي، أُحاول أنْ أنامَ، فلم أستطعْ، كانَ بطني ثقيلًا، كأنَّهُ مملوءٌ بالحجارة!

بتُّ أتقلَّبُ في فراشي، وأنفاسي تنقطعُ، وأمعائي تتقطّعُ..

أقبلَ الصباحُ، وأنا أُمسكُ بطني بيدي، أنحني عليهِ، أتلوَّى، أصيحُ..

ذهبَ إخوتي إلى المدرسة، ولم أذهبْ معَهم، بل ذهبْتُ معَ بطني إلى الطبيب!

الوَثبَة

أنا أشعبُ الصغير، أعرفُ أسرارًا كثيرةً، وأحبسُها في صدري، فأنا أعرفُ عددًا من زملائي، لا يجلبونَ معهم إلى المدرسة أيَّ طعامٍ، ولا يضعونَ في محافظهم، إلاّ الكتبَ والدفاترَ، وكلَّ ما لا يمكنُ هضمُهُ، وأعرفُ زملاءَ آخرين، لا تخلو محافظُهم من طعام، ولكنْ حينما أسألُهم عمّا معهم، يتلعثمونَ، ويكذبون.

وإذا مرَّ تلميذٌ بجانبي، وهو مُعرِضٌ عنِّي، كأنَّهُ لا يراني، أعرفُ أنَّهُ يحملُ شيئًا، يخافُ عليهِ منِّي، وهو ذاهبٌ ليأكلَهُ بعيدًا عنّي.

ما أغباهم، أسرارُهم مكشوفةٌ، ونواياهم مفضوحة..

وفي هذا اليومِ، اكتشفْتُ سرًّا خطيرًا، يتعلّقُ بزميلي غزوان..

أتريدونَ معرفتَهُ؟ اسمعوا إذنْ..

منذُ عدَّةِ أيّام، وأنا أُراقبُ غزوانَ، فأراهُ كلَّ يومٍ، في الفرصةِ الثانية، يتسلَّلُ إلى زاويةٍ بعيدةٍ، عندَ سورِ المدرسةِ، ويُديرُ ظهرَهُ، فيمكثُ مدَّةً، ثمّ يعودُ، ليلعبَ مع زملائِه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت