وتساءلْتُ مدهوشًا: ماذا يعملُ هناك؟!
ذهبْتُ إليهِ خلسةً، وحينما اقتربْتُ منهُ، تسلَّقْتُ سورَ المدرسة، وسرْتُ عليه حذرًا، وعندما صرتُ فوقَ رأسهِ، وقفْتُ أُراقبُهُ من الأعلى، فوجدْتُهُ يلتهمُ هريسةً لذيذةً... يا لَلنذل!
ظللْتُ أُراقبُهُ صامتًا، وهو يأكلُ، ويتلمَّظُ، كانَ ذلكَ فوقَ طاقتي، بسطْتُ يديَّ مثلَ جناحيْ طائرٍ، ثمّ وثبْتُ عليهِ، فركبْتُ كتفيهِ.. أفلتَ من تحتي، انطرحْتُ على أرضٍ صلبةٍ، أصرخُ صراخًا مُؤلمًا.. لقد انكسرَتْ ساقي!
هرعَ إليَّ المعلِّمُ والتلاميذُ، وبعدَ قليلٍ، كانَتْ سيّارةُ الإسعاف، تحملُني إلى المستشفى..
أنا أرقدُ الآنَ، فوقَ سريرٍ أبيض، ورجلي اليمنى ممدودةٌ، كجذعِ شجرةٍ يابسٍ، من كثرةِ الجبسِ والضمائدِ، وفي كلِّ يومٍ، يزورُني عددٌ من زملائي وأقاربي، وعندما يسألونني عن سببِ كسرِ ساقي، أقولُ لهم: وقعْتُ!
ولا أزيدُ على ذلكَ شيئًا.
وبعدَ أنْ ينصرفوا، أبقى وحيدًا، معَ المرضِ والملل.. ماذا أعمل؟
التفتُّ حولي، شاهدْتُ كتابًا، جاءَني هدّيةً، تناولْتُ الكتابَ، وبدأْتُ أقرأُ فيهِ..
مرَّ الوقتُ، ولم أشعرْ بمرورهِ.
هربَ المللُ، ولم أشعرْ بهروبهِ.
قرأتُ، وقرأتُ، ولم أشبعْ من القراءة.
يا لَلعجبِ، إنَّني أشعرُ بمتعةٍ، ما بعدها متعة!
وجاءني الطعامُ، فتناولْتُ منهُ قليلًا، ثمّ خاطبْتُهُ قائلًا: تبًّا لكَ أيُّها الطعام، كم سبَّبْتَ لي من أمراضٍ وآلام، وصدقَ مَنْ قال:"لا تكنْ أشعب فتتعب".
4 ـ الوَلَد
ذو اللسان الطويل
لسان ديبو
كانَتْ أُمُّ ديبو، منهمكةً في أعمالِ المطبخ، وكانَ أطفالها يدرسونَ، ما عدا أخاهم الأكبرَ ديبو، فقد كانَ يكلِّمُ هذا، ويكلِّمُ ذاكَ، ولا أحدَ يردُّ عليهِ.
ضاقَ ذَرْعًا بهذا الصمتِ، أخذَ كتبَ إخوتِه، جلسَ عليها، وقالَ هامسًا:
ـ لا تصرخوا، سأُعيدُها إليكم.
امتدَّتْ نحوَهُ الأعناقُ، وحملقَتْ إليهِ العيون..
قال ديبو:
ـ انظروا الآنَ إلى لساني.
فتحَ ديبو فمَهُ، ومدَّ لسانَهُ الطويل..
لوَّحَ بهِ يمينًا، ولوَّحَ بهِ شمالًا، ثمّ رفعَهُ نحوَ الأعلى، وضربَ بطرفهِ أرنبةَ أنفِهِ.
راقبَهُ إخوتُهُ مدهوشينَ، فقالَ لهم:
ـ مَنْ منكم يستطيعُ أنْ يفعلَ مثلَ ما فعلْت؟
مدَّ الأطفالُ ألسنتهم القصيرةَ، رفعوها إلى الأعلى، لم تصلْ إلى أُنوفهم.. أخذوا يرفعونَ رؤوسَهم شيئًا فشيئًا.. انقلبوا على ظهورهم، ولم يبلغوا ما يريدونَ، فأطبقوا أفواههم يائسين.