قالَ سامرٌ:"ذهبْتُ إلى أحضانِ الطبيعة، كانَتِ الطيورُ تغرِّدُ، والأغصانُ تميسُ، والنهرُ يدفقُ، والنسيمُ يلعبُ، ومعَ ذلكَ.. لم أشعرْ بالسعادة، وتذكّرْتُ أنَّني وحيدٌ، فدعوْتُ أصدقائي، وحينما جاؤوا، جاءَ الفرحُ يركضُ أمامهم..".
قالَ المعلِّمُ:
ـ خيالٌ جميلٌ ونبيل.
وتحدَّثَ حسّانُ عن خيالهِ، فقال:"امتطيْتُ غمامةً بيضاءَ، طفْتُ أنحاءَ العالم، رأيْتُ مشاهدَ عجيبةً، وبلادًا رائعةً، وعندما شكرْتُ الغمامةَ، على هذهِ الرحلةِ الممتعةِ، سألَتْني قائلةٌ:"
ـ أيُّ بلدانِ العالمِ أجمل؟
قلْتُ بلا تردُّدٍ: بلادي أجملُ البلدان"."
أثنى المعلِّمُ على خيالِ حسّان، ثمّ التفتَ نحوي، وقال:
ـ حدِّثْنا عن رحلةِ خيالكَ يا أشعب.
وقفْتُ مسرورًا، وقلْتُ:"صارَ لي جناحانِ، طرْتُ عاليًا، أجولُ في الفضاءِ الرحيبِ، رأيْتُ غيومًا بديعةً، ومناظرَ ساحرة.."
ـ جميل، جميل!
ولكنَّ ذلك كلَّهُ لم يُسعدْني، فقد كنْتُ أحلمُ بالطعام، وأنا أُحلِّقُ في السماء، بحثْتُ عنهُ كثيرًاُ، لم تقعْ عيني عليهِ.. صاحَتْ عصافيرُ بطني، شعرْتُ بجوعٍ شديدٍ، وفجأةً.. وجدْتُ أمامي مائدةً عامرةً، تحوي أطعمةً كثيرةً، ممّا لذّ وطابَ..
ـ لذيذ، لذيذ!
ذهلْتُ عن كلِّ ما حولي، وهجمْتُ على الطعام، آكلُ منهُ أكْلَ مَنْ لم يرَهُ قطّ.
ظللْتُ آكلُ، وآكلُ، وبطني يكبرُ، ويكبرُ..
أكلْتُ الطعامَ كلَّهُ، انتفخَ بطني كثيرًا، صارَ حِملًا ثقيلًا، حاولْتُ الطيرانَ إلى الأعلى، لم أقدرْ،
بل وجدْتُ نفسي، أهبطُ إلى الأسفل، مثلَ بالونٍ منفوخٍ، وحينما اقتربْتُ من الأرض، وقعْتُ على ظهري، فارتضَّت عظامي، وبقيتُ مستلقيًا، وبطني يربضُ فوقي، يكتمُ أنفاسي، ويمنعُني من النهوض.."."
ضحكَ التلاميذ جميعًا، وقال المعلِّمُ، وهو يبتسمُ: مَنْ أثقلَ بطنَهُ، لا بدَّ أنْ يهبط!
الحُلُم
نامَتْ أسرتي، ونمْتُ، وخيَّم الصمتُ على البيت..
وفي هَدْأةِ الليلِ العميق، انطلقَتْ منّي صرخةٌ مرعبة!
طارَ فؤادُ أُمِّي، وهرعَتْ إلى فراشي، وجدَتْني ممتقعَ الوجهِ، أفركُ عيني بيدي، وألتفتُ حولي مذعورًا..
ـ ما بكَ يا حبيبي؟!
ظللْتُ صامتًا، لا أنبس بكلمة.
ازدادَ خوفُ أُمِّي، مسحَتْ رأسي بيدها، وهي تقولُ:
ـ هل حلمْتَ حلمًا مرعبًا؟
ـ نعم يا أُمِّي.
ـ ماذا حلمْت؟
عدْتُ إلى الصمت..
قالَتْ أُمِّي:
ـ لن أدعَكَ تنامُ، حتّى تقصَّ عليَّ حلمَكَ.