الصفحة 14 من 373

نهضت مرة أخرى، متحاملًا على نفسي، ومرة أخرى تهاويت. آه يا إلهي، لا بد أنها النهاية هذه المرة. وتطلعت إلى الأعلى، فلاحت لي القمة، يغمرها الفجر، كأنها الحلم. عبثًا حذروني، وأكدوا، أن أحدًا منا، نحن الحلازن، لم يبلغ هذه القمة، وأن الكثيرين، انتهوا عند سفوحها. لا، ها هي القمة، على مرأى مني. واندفعت بما تبقى لي من قوة، سأبلغها، سأبلغ هذه القمة، مهما كان الثمن، وتهاويت مرة أخرى، على السفح، خائر القوى.

وأفقت على صوت فتي يحييني:"مرحبًا".

والتفت، يا لله، إنه صورة مني، عندما بدأت مسيرتي نحو القمة. وقبل أن أرد على تحيته، أشار إلى القمة، وقال:"سأقهرها".

قلت بصوت واهن:"بني..".

فقاطعني ضاحكًا:"ستحذرني، وتؤكد أن أحدًا لم يبلغها، وأن الكثيرين انتهوا عند سفوحها، لكن مع ذلك.. سأقهرها".

ابتسمت له، وقلت:"لست الأول، ولن تكون الأخير".

وضحك ثانية ملوحًا لي، ثم استأنف مسيرته. تطلعت إليه، ورأيتني أزحف في إثره، خطوة بعد خطوة، حتى تلاشى، على طريق، يكاد لا ينتهي، نحو القمة.

البلبل والمرأة العجوز

في كل يوم، عند الغروب، أمضي إلى حديقة منزل، يقع في طرف القرية. فأحط على مصطبة، فوقها كمية من الحبوب، وقدح ماء. وعلى مسافة مني، تجلس امرأة عجوز، تنظر إليّ ولا تتحرك، وكأنها تخشى لو تحركت، أن أهب من مكاني، وأحلق بعيدًا عنها.

وذات مساء، مضيت إلى الحديقة، فلم أجد الحبوب، ولا قدح الماء، ولا المرأة العجوز.

وتلفت حولي حائرًا، قلقًا، أنا لا تهمني الحبوب، ولا قدح الماء، إن ما يهمني فقط.. المرأة العجوز.

وحلقت حول المنزل، عَلّي ألمحها، أو أسمع صوتها، لكن، لا جدوى.

ووقفت فوق شباك غرفتها، يبدو أنها مريضة، فقد رأيتها في المرة الأخيرة، شاحبة، متعبة، تكاد تتهاوى.

ورفعت رأسي، وأخذت أغرد بأعلى صوتي، علها تسمعني، وتعرف إني أفتقدها.

التم

عاد التم، بعد الظهر، إلى العش. وفوجئ باختفاء زوجته، وصغاره الأربعة.

وخفق قلبه خوفًا، وغضبًا. أهو الصياد؟ من يدري، لقد شكت زوجته، أيامًا عديدة، من أن الكلب يطوف في الجوار، وتخشى أن يدل الصياد إلى عشهم.

وانطلق محلقًا، يبحث عن زوجته، وصغاره الأربعة. وتناهى إليه، من بين القصب نباح كلب. فانقض عليه، وراح يضربه بجناحيه القويين. ولاذ الكلب بالفرار، جارًا ساقه المكسورة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت