أبو العباس…: والحزنُ يقتلهُ بطيئًا بطيئًا!!
زرياب…: والسبب؟!
ابن ناصح…: غرقَ أخوه في البحرِ فجأةً، وكانا يسبحانِ…
زرياب…: (يطرق برأسه حزينًا) البحرُ؟!! آه.. البحرُ الغدارُ.. (ثم يلتفت نحو ابن ناصح ويسأله) يا بن ناصحٍ، هل تثقُ بموسيقانا وغنائنا؟!!
ابن ناصح…: (بثقة) مَنْ لا يثقُ بموسيقا زرياب جاهلٌ. إنها فنٌّ وعلمٌ!!
زرياب…: (مسرورًا لهذا المديح) شكرًا يا أخي. (يتجه بحيوية ونشاط نحو تلاميذه الذين استعدوا سريعًا ويكلمهم) هيَّا.. نداوي الداءَ بالداء، فلا يفلُّ الحديد إلى الحديدُ (18) . لِنَعْزِفْ، وَلْنُغَنِّ أغنيةَ البحرِِالغدَّارِ.
ابن ناصح…: صَدَقْتََ يا زريابُ. استعنْ باللهِ وتوكل!!
زرياب…: بسم الله، وعليه توكَّلنا، (للجميع) واحد… اثنان.
… (تصدح الموسيقا بأسلوب تعبيري، نسمع أمواج البحر، ورشاشَ الماء المصطخب- كل ذلك يجري دون أي وزن إيقاعي، ثم يأتي الغناء ضعيفًا خافتًا من بعيد بعيدٍ، وكأنه قادم من المجهول أو أعماق البحر، لكنه غناء رقيق ساحر، تمتزج فيه أصوات النساء كأنهنَّ حورياتُ البحار، بأصوات الرجال، ثم يتناوبون الغناء كأنه آهات حزينة)
المجموعة…: آهْ… آهْ… آهْ
يا بَحْرَ الأسرارْ
يا غدَّارْ
يا عالي الأمواجْ
بالماءِ الرجراجْ
يا صاعقةَ النارْ
هدِّئْ إعصاركْ
واكْبحْ تيارَكْ
وكفاكَ هيَاْجْ
يا بحرْ
لا تسْرُقْ فرحَ العُمرِ
مروان…: (يتأوه بصوتٍ واهن ضعيف) آه..
المجموعة…: آهْ… آهْ… آهْ….
فالشطآنُ حكايا
مروان…: آه..
المجموعة…: والأمواجُ مرايا
مروان…: (يصرخ مذعورًا) كلاّ..
الأمواجُ بلايا،
تِنِّينٌ مِنْ ماءٍ أسودْ
مزروعٍ بالشَّرْ
المجموعة…: (وكأنها ترد على الفتى)
لكنَّ الضَّحِكاتِ الأحلى
فوق الرملِ الباردْ
رَشَّاشٌ مِنْ عِطرْ!!
… (فجأة ينتفض الفتى وينهض، ويبدأ بالدوران، وكأنه يرقص في جلسة تحضير للأرواح. يزداد قرع الإيقاعات وتناوب الأصوات بين القوة والليونة والطول والقصر- وفي اللحظة نفسها يدخل الأمير عبد الرحمن بن الحكم وخلفه يدخل الغزال ثم حسان، ولكنهم جميعًا يتوقفون في أمكنتهم دهشين مما يرون من صخب راقص وموسيقا عنيفة. إنهم يسمعون نوعًا جديدًا من الغناء- ولأن الجميع منشغلون بعلاج الفتى لا أحد ينتبه للقادمين- يتأوه الفتى وهو يدور حول نفسه كأنه إعصار وهو يهتف بألم، وبصوت ممدود ممطوط) .
مروان…: آ ا ا ا ا ا هْ….
…يا بَحْرْ
المجموعة (بقوة) : يا بحْرْ!!
مروان…: لن تسرُقَ مني الصبرْ