قال عروة بن مسعود لقومه ثقيف لما رجع من الحديبية ورأى الصحابة حول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أي قوم! والله لقد وفدت على الملوك، على كسرى وقيصر والنجاشي. والله ما رأيت ملكا يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا. والله إنْ تنخم نُخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فَدلك بها وجهه وجلده. وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ يقتتلون على وَضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحِدّون إليه النظر تعظيما له".
جاء الأمر القرآني بتعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتوقيره، وتعزيره، والأدب البالغ في حضرته. وأُمر الصحابة أن لا يرفعوا أصواتهم فوق صوت النبي، وأن لا يجهروا له بالقول كجهر بعضهم لبعض، وأن لا ينادوه نداء بعضهم لبعض. وأعلمهم القرآن أن الذين يبايعون رسول الله إنما يبايعون الله، وأن يد الله فوق أيدي المبايعين. فاجتمعت للصحابة عوامل التبجيل والإجلال والمحبة أمرًا مُوحى به من السماء، وانبعاثا متوثبا من القلوب. لولا هذا الانبعاث لما تُلُقّيَ الأمر السماوي ولا البيان النبوي بالتقديس.
التقليد البارد للمشايخ أصحاب المقال قد يكون له مبرر إن كان المقلد جاهلا عاجزا عن فهم النصوص، وكان الشيخ عالما قادرا على الاجتهاد في مرتبة ما من مراتب الاجتهاد،وكان موضوع التقليد فروع الشريعة. أما تقليد القوالين في السلوك، أولئك الذين تنحصر بضاعتهم في عبارات محفوظة وتقاليد ورسوم فمَتْلَفَة ومَهْلَكة.