امتاز الصحابة رضي الله عنهم بتعلقهم الشديد بشخص الرسول صلى الله عليه وسلم. لم يكن عندهم ولا عند كل تقي أوّاهٍ من هذه الأمة مجرد مبلغ أدى رسالته ومضى، بل كان رسول الله. كان الشخص الذي اصطفاه الله. القرآن رسالته والبيان بيانه. تسمو بهم المحبة العميقة للشخص المكرم عند الله، ويسمو بهم القرآن، ويرفعهم البيان إلى ذُرى الإحسان. السلوك القلبي منجذب بمغناطيسية الروح الشريفة، والعقل يتغذى بالآيات البينات، والجوارح تنضبط بأوامر الشارع الحاضر بين ظهراني البشر. عزفوا عن الدنيا ومغرياتها الدنيئة لما اتصلت هممهم الطالبة الراغبة بتلك الهمة السماوية، وأحبوا ذلك الجناب العالي فارتقوا عن السفاسف، وحنّوا إلى الله، واشتاقوا للقاه، واتّقدت في قلوبهم محبة الله. حرصهم على مرضاة من أرسل الرسول هو الذي حل عَقد نفوسهم حتى ترَوضوا على الطاعة، وزكت منهم الأخلاق، واسترخصوا نفوسهم وأموالهم في جنب الله. حبهم للرسول الكريم الذي أسمع فطرتهم وأيقظ إرادتهم هو المحرك لا مجرد الاتباع لزعيم آمِرٍ ناه. في أحضان النبوة تربوا، ومنها رشفوا واسْتَقَوا حتى تفجرت في قلوبهم ينابيع الإيمان وكانوا أبر الناس قلوبا وأعمقهم علما. بالحب تربى الصحابة لا بالخضوع لسلطة حاكمة.
رَفَعوا خُبَيْبًا رضي الله عنه على الخَشبة في مكة ليقتلوه، فسألوه: أتحب أن محمدا مكانك؟ قال:"لا والله العظيم ما أحب أن يفديني بشوكة يشاكها في قدمه".
وتَرَّس عليه صلى الله عليه وسلم أبو طلحة يوم أحد بظهره، يعرض ظهره للنبال كي لا تنال الشخص الكريم. وامتص مالك الخدري رضي الله عنه جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد لينقيه. ورفض أن يَمُجَّهُ، بل ابتلعه محبة وتفَانيا. كانوا يتقاتلون على بصاقه من منهم يتبرك به. كانت مهابته في قلوبهم قاضية، مهابة الحب والإجلال لا مهابة الخوف، يجلسون إليه كأنما على رؤوسهم الطير.