فهرس الكتاب

الصفحة 989 من 5447

وحصل من كلام شيخ الإسلام أن تقليد المشايخ في الإرادة والسلوك ذلك التقليدَ الغاليَ يحجب عن السالك بيان الكتاب والسنة، ويحول بينه وبين النبوة. هنا تكمن قوة ابن تيمية رحمه الله. تكمن في دفاعه عن النبوة وإبراز خصائص عصره المتأخر الذي ساد فيه التقليد كل فروع العلم، حيث تجمد الفقهاء، وتخبط المتكلمون، وابتدع المتصوفة. فكر ابن تيمية في عصره لم يلق ولا معشارَ ما يلقاه في عصرنا من إقبَال. في عصره الغارق في التقليد كان صوتًا غريبا، أما في عصرنا، ومنذ قرنين وَ نيف، فمذهبه في التعلق المباشر بالنصوص، لا يقبل أن يحجب الناس عنها حاجب، يجد صدًى متزايدا.

شهد معاصرو ابن تيمية أنه لم يكن له شيخ في السلوك، ونسبوا صلابته وخشونته في الخصام إلى أنه لم يتأدب بشيخ عارف. وفي النص الذي أمامنا ما يؤيد هذه الشهادة، فالسلوك عنده تلق للبلاغ والبيان، ولا شيء غير هذا. ومن صحبوا المشايخ العارفين بالله أئمة التربية يعلمون بالممارسة أن الشيخ المربي حقا هو قبل كل شيء"من ينهض بك حاله"، أي الذي ترفعك محبته وصحبته رفعا قلبيا، تَسْتَفُّ روحانيته روحانيتك ولو لم يتكلم، وتحتضنها، وترقيها، وتهذبها، وتبث فيها حب الله وحب رسوله، ذلك الحب الذي يسود القلوب المنورة، قلوب العلماء بالله الغارقين في حضرة الله.

صحبة الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم رفعتهم، حاله استَفَّهُم ونورهم قبل مقاله.

فإذا نزلت القضية إلى رُسوم وطقوس وتَعاليم قولية أصبح التصوف تَقليدا باردا، والتقليد حاجزا سميكا، والحجز بدعة وضلالة. وكل ذلك انتقده ابن تيمية انتقادا شديدا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت