بن أبي سفيان الذي كان عدوّه لمحفن الضبي لما قال له: جئتك من عند
أبخل الناس ، فقال: ويحك كيف قلت ؟ تقول له أبخل الناس ولو ملك
بيتا من تبر وبيتا من تبن لانفق تبره قبل تبنه (116) ، وهو الذي يقول: يا
صفرأ ويا بيضأ غرّي غيري ، بى تعرّضت أم لي تشوّقت ، هيهات
هيهات قد طلّقتك ثلاثا لا رجعة فيها (117) ، وهو الذي جاد بنفسه ليلة
الفراش وفدى النبي ـ صلّى اللّه عليه وآله ـ حتى نزل في حقّه:( ومن
الناس من يشري نفسه ابتغأ مرضاة اللّه ) (118) .
قال يوحنّا: فلمّا سمعوا هذا الكلام لم ينكره أحد منهم ، وقالوا:
صدقت إنّ هذا الذي قلت قرأناه من كتبنا ونقلناه عن أئمتنا لكن محبّة
اللّه ورسوله وعنايتهما أمر ورأ هذا كلّه ، فعسى اللّه أن يكون له عناية
بأبي بكر أكثر من علي فيفضّله عليه .
قال يوحنّا: إنّا لا نعلم الغيب ، ولا يعلم الغيب إلاّ اللّه تعالى ، وهذا
الذي قلتموه تخرص ، وقال اللّه تعالى: ( قتل الخرّاصون ) (119) ونحن
إنّما نحكم بالشواهد التي لعلي ـ عليه السلام ـ على أفضليته فذكرناها .
وأمّا عناية اللّه به فتحصل من هذه الكمالات دليل قاطع عليها ،
فأيّ عناية خير من أن يجعل بعد نبيّه أشرف الناس نسبا ، وأعظمهم
حلما ، وأشجعهم قلبا ، وأكثرهم جهادا وزهدا وعبادة وكرما وورعا ،
وغير ذلك من الكمالات القديمة ، هذا هو العناية .
وأمّا محبّة اللّه ورسوله فقد شهد بها رسول اللّه ـ صلّى اللّه عليه
وآله ـ في مواضع ؛ منها: الموقف الذي لم ينكر وهو يوم خيبر ، إذ قال
النبي ـ صلّى اللّه عليه وآله ـ: (( لاعطينّ الراية غدا رجلًا يحبّ اللّه
ورسوله ويحبّه اللّه ورسوله )) (120) فأعطاها عليا .
وروى عالمكم أخطب خوارزم في كتاب المناقب أنّ النبي
ـ صلّى اللّه عليه وآله ـ قال: (( يا علي لو أنّ عبدا عبد اللّه عزّ وجلّ مثلما
قام نوح في قومه ، وكان له مثل جبل أُحد ذهبا فأنفقه في سبيل اللّه ،