ولا غرو أن يكون ذلك رأى"أبى ذر"؛ فإن أمير المؤمنين هو صاحب الكلمة الرائعة: .."لو استقبلت من أمرى ما استدبرت، لأخذت فضول أموال الأغنياء، فرددتها على الفقراء...". وحكم"عمر"كان امتدادا موفقا للخلافة الأولى، التى سوت بين مانعى الزكاة والمرتدين، وأعلنت عليهم حربا واحدة، وكلا الخليفتين كان يمشى في آثار النبوة بحزم وقوة. ولم يكن صاحب الرسالة العظمى إلا أسوة حسنة، للانغماس في عامة الشعب والعمل لهم وفيهم.. ولذلك يقول:"ابغونى في ضعفائكم، فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم". فالمسلك الرشيد، بل المنهج الفريد الذى يرسمه الإسلام لسياسة الشعوب الاقتصادية والاجتماعية، هو كفالة كتل الشعب الكبيرة، والاعتزاز بها، ومنع كل شارة من شارات الغطرسة والترفع عليها. فهل يلام"أبو ذر"أن فهم من الإسلام هذه الحقيقة السافرة لكل ذى عينين؟!. ثم تولى"عثمان"الخلافة، و"عثمان"رجل لا يرقى إلى نبله شك، وسوابقه في الإسلام تشهد له بالفضل الجم، والبذل المشكور والجهاد المقبول. غير أن"عثمان"من أسرة عبد شمس، وأفراد هذه الأسرة يعتبرون في مؤخرة المؤمنين، وإن كانوا في الجاهلية بيت سيادة وحكم، كانوا أول من حارب الإسلام، وآخر من دخل فيه. وقد كان رأى"أبى بكر"فى هؤلاء وأمثالهم، أن يسووا بأهل السبق والهجرة فيما يأخذون من بيت المال؟ حتى جاء"عمر"فرفض هذه التسوية، وأعطاهم حسب منازلهم من دين الله، فعادوا مرة أخرى إلى منزلتهم في مؤخرة الصفوف. لكن حنينهم إلى استعادة مجد الجاهلية، وما كان لهم من عز وسلطان لم يفارق دمهم لحظة. فما إن اختير"عثمان"للخلافة، حتى تواثبوا من حوله، والتفوا به، وامتدت أيديهم إلى المال تأخذ منه أنصبة لم تكن تقع لها قط في صدر الخلافة.!!084