فهرس الكتاب

الصفحة 177 من 182

حوار بين ممثلى الطبقات :

هذه قصة التقى فيها كبرياء الإيمان بكبرياء الطغيان، واصطدم فيها رجلان كلاهما يمثل فكرة خاصة بنى عليها حياته، وأقام عليها وجوده. هذا يعتز بما أوتى من مال وجاه، ويجعل منهما أساسا للعلو في الأرض والغطرسة على الناس. والآخر يعتد بما أوتى من إيمان وخلق، ويرفض كل سيادة للباطل، تحقر المواهب الإنسانية، وتنكر مقاييس المواهب والكفايات. والقصة يستمع لها المسلمون كل أسبوع، فقد تواضعوا على أن تقرأ في المساجد، قبيل صلاة الجمعة وعظتها. وكأن القدر شاء أن يضرب مثلا حيا متكررا، لذهول الناس عن توجيهات الوحى الأعلى. فألهم المسلمين أن يقرءوا هذه القصة في مساجدهم، ليخرجوا من بعدها إلى العمل، في بلاد لا تعرف فيها إلا كبرياء الطغيان، ولا تروج فيها إلا أحط المقاييس، ولا ترفع فيها إلا أقل الكفايات، وهم يحنون رءوسهم في المساجد خشوعا مصطنعا لآيات الله، ويحنون رءوسهم في المجتمع حقا للمتألهين في الأرض، القوامين فيها بالجبروت والسطو والمظالم، كأنهم لا يعرفون لمن ستكون العاقبة في يوم الناس هذا، أو يوم يبعثون.! جلس الرجل في شرفة قصره، يمد بصره إلى الحدائق الغناء المترامية حوله، ويستمع إلى خرير الماء في النهر وحفيف الأوراق في الشجر، وصياح الطيور في الجو، فيخال أنها أناشيد، تتغنى بمجده وتسبح بحمده، ثم يرجع البصر إلى الفعلة والخدم، المنبثين في جنبات ضياعه الشاسعة وقصره المشيد، يتمنون رضاه، ويسارعون إلى إشارته، ويدينون له، وتهمس إليه نفسه أن كل شراء على ما يرام، وأنه في ضمان وثيق من حاضره ومستقبله. ولكن خاطرا طاف بذهنه، عكر عليه الصفو. لقد ذكر رجلا آخر من عامة الشعب، كان إلى عهد قريب لا يعامله إلا معاملة الند للند، مع أنه أجير عنده، ولا يذكر له ذلك الغنى الحافل، إلا بقلة الاكتراث وسوء التقدير، أفبقى الرجل ـ ياترى ـ على موقفه العنيد هذا؟؟.193

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت