وشعر برغبة عميقة في أن يستحضره، وأن يستذله، وأن يكرهه على الخضوع له. فما هى إلا ساعة حتى كان الرجل الآخر قادما يمشى، منتصب القامة برَّاق العينين ألاق الجبين. ومع أنه عرف لماذا جىء به، وأدرك من ملامح رب الضيعة الرحبة والقصر الفسيح، أنه يبغى قهره والنيل منه، فقد عزم أن يدخل معه في الصراع إلى نهايته، موقنا بأنه لن ينهزم أمام بشر. ووقعت معركة الكلام بين الرجلين، فكانت مثلا لا يجوز إخفاء عبرته عن الناس: (و اضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب و حففناهما بنخل و جعلنا بينهما زرعا * كلتا الجنتين آتت أكلها و لم تظلم منه شيئا و فجرنا خلالهما نهرا * و كان له ثمر فقال لصاحبه و هو يحاوره أنا أكثر منك مالا و أعز نفرا * و دخل جنته و هو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا * و ما أظن الساعة قائمة و لئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا) قال الرجل الفقير لمحدثه المترف: لو أنك إذا أردت أن تفخر على وقلت: أنا أكثر منك عملا وأعز خلقا، بدل: أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا، لربما استحق الأمر تفكيرا منى واهتماما بك. أما وأنت تؤسس عظمتك الموهومة على هباء، فهيهات أن أعترف بها..! ولقد جاءك أكثر هذا المال كما يجىء أمثالك من القاعدين، على غير ذكاء خارق أو عزيمة ماضية. فما غبرت في تحصيله قدما، ولا أعملت في تأثيله يدا، ولا واسيت من كنوزه ضعيفا، ولا قضيت من خزائنه حقا. وقد يفهم فخرك بمالك وجاهك، لو جعلت منهما وسائل لكسب المعالى وصنع المعروف، وإفادة الناس.194