حرية الرأى:
فى أوج الحضارة الإسلامية كانت حرية الرأى مكفولة إلى حد بعيد، وكان البحث عن الحقيقة وتعرف وجه الصواب، ميسورا لكل من واتته الوسائل الصحيحة. وحيث لم يوجد في مسألة علمية نص يعلو على الشبهة، ويثبت أمام التأويل، فإن المجال رحيب أمام عقول الرجال. أجل، حيث تتكاثر الأدلة، وتتلون أساليب الفهم ـ في حدود قواعد اللغة ـ وتختلف الأنظار، ويختلف وزن المصلحة العامة، ويتسع الأفق، أو يضيق أمام مبتغى الحق، الساعى لكشف النقاب عنه، ففى الأمر مندوحة، ولا حرج على المسلم أن يعتنق أى مذهب، ويجنح إلى أى رأى.. ومن أقوال"أبى حنيفة"فى هذا المعنى ـ وهو في طليعة المجتهدين فضلا وعلفا ـ:"هذا الذى نحن فيه رأى لا نجبر عليه أحدا، ولا نقول: يجب على أحد قبوله، فمن كان عنده أحسن منه فليأت به"!! وقال أيضا:"ما جاء عن رسول الله فعلى الرأس والعين، وما جاء عن الصحابة اخترنا، وما كان من غير ذلك فهم رجال ونحن رجال". وكذلك قال مالك:"كل امرئ يؤخذ منه ويرد عليه، إلا صاحب هذا المقام".. يعنى رسول الله. ولم يكن هناك موضع لتعصب ذميم، أو جمود بليد. فإن هذه الآفات العقلية، لا تصيب إلا قصار الباع، ولا تعترى إلا كل مغموز في فضله، مطعون في عقله.147