فلما حاولت فئات من المتعطلين والمتحللين، أن تخلد إلى الراحة، وأن تنقل أخلاق الدعة والركود إلى مجتمعات الإسلام الناهض، وأن تكون من غنائم الفتوح وإقبال الدنيا، طبقات مترفة، لا شغل لها إلا باللذائذ والشهوات، بدأ"أبو ذر"وغيره يزمجرون، وإن كان"أبو ذر"أعلى صوتا، وأصدق حجة، وأعظم سابقة. نعم بدأ"أبو ذر"يستنكر، مع أنه في أيام"عمر"، كان بادى الرضا عن الحالة العامة، مستريح الضمير للأسلوب الذى حكم به"عمر"جمهور الأمة، فهل كان"عمر"ـ"كأبى ذر"ـ شيوعيا كما يقولون؟!!. يروى أن عمر.. خرج كئيبا محزونا فلقيه أبو ذر، فقال ل:ه مالى أراك كئيبا حزينا؟ فقال: ومالى لا أكون كئيبا حزينا، وقد سمعت بشر بن عاصم يقول: سمعت رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ يقول:"من ولى شيئا من أمر المسلمين أتى به يوم القيامة حتى يوقف على جسر جهنم، فإن كان محسنا نجا؟ وإن كان مسيئا انخرق به الجسر، فهوى في جهنم سبعين خريفا". فقال أبو ذر: أو ما سمعته من رسول الله؟. قال: لا، قال: أشهد أنى سمعت رسول الله يقول:"من ولى أحدا من المسلمين، أتى به يوم القيامة على جسر جهنم، فإن كان محسنا نجا وإن كان مسيئا انخرق به الجسر، فهوى فيها سبعين خريفا، وهى سوداء مظلمة". فأى الحديثين أوجع لقلبك؟. قال: كلاهما قد أوجع قلبى فمن يأخذها بما فيها؟. قال أبو ذر: من جدع لله أنفه وألصق خده بالأرض؟ أما إنا لا نعلم إلا خيرا، وعسى إن وليتها من لا يعدل فيها، أن لا تنجو من إثمها... * * * * فها هو ذا"أبو ذر"يعلن عن رأيه في سياسة"عمر"تأييدا وتعضيدا. بل هو يرغب إلى"عمر"أن يتحمل أعباء الخلافة، ولو ضاق بها ذرعا؟ خوفا أن يلى الأمر من بعده من يسىء إلى نفسه وإلى المسلمين.083