وإذا هم أجنة في بطون أمهاتهم وعلمه السابق بأنهم لا بد أن يعصوه وأنه يحب العفو والمغفرة وغير ذلك من سعة علمه الذي لا يحيط به أحد سواه وسعة رحمته تتضمن أنه لا يهلك عليه أحد من المؤمنين به من أهل توحيده ومحبته فإنه واسه الرحمة لا يخرج عن دائرة رحمته إلا الأشقياء ولا أشقى ممن لم تسعه رحمته التي وسعت كل شيء ثم سألوه أن يغفر للتائبين الذين اتبعوا سبيله وهو صراطه الموصل إليه الذى هو معرفته ومحبته وطاعته فيما أمر وترك ما يكره واتبعوا السبيل الذي يحبها ثم سألوه أن يقيهم عذاب الجحيم وأن يدخلهم والمؤمنين من أصولهم وفروعهم وأزواجهم جنات عدن التي وعدهم بها وهو سبحانه وإن كان لا يخلف الميعاد فإنه وعدهم بها بأسباب من جملتها دعاء الملائكة لهم بأن يدخلهم إياها يدخلونها برحمته التي منها أن وفقهم لأعمالها وأقام ملائكته يدعون لهم بدخلولها ثم أخبر سبحانه عن ملائكته أنهم قالوا عقيب هذه الدعوة إنك أنت العزيز الحكيم أي مصدر ذلك وسببه وغايته صادر عن كمال قدرتك وكمال علمك فإن العزة كمال القدرة والحكمة كمال العلم وبهاتين الصفتين يقضي سبحانه وتعالى ما يشاء ويأمر وينهى ويثيب ويعاقب فهاتان الصفتان مصدر الخلق والأمر والمقصود أن عقوبات السيئات تتنوع إلى عقوبات شرعية وعقوبات قدرية وهي إما في القلب وإما في البدن وإما فيهما وعقوبات في دار البرزخ بعد الموت وعقوبات يوم عود الأجسام في الدار الآخرة فالذنب لا يخلو من عقوبة البتة ولكن لجهل العبد لا يشعر بما هو فيه من العقوبة لأنه بمنزلة السكران والمخدر والنائم الذي لا يشعو بالآلم فإذا استيقظ وصحي أحسن بالمؤلم فترتب العقوبات على الذنوب كترتب الإحراق علي النار والكسر على الانكسار والإغتراف على الماء وفساد البدن على السموم والأمراض للأسباب الجالبة لها وقد تقارن المضرة للذنب وقد تتأخر عنه إما يسير وإما مدة كما يتأخر المرض عن سببه أن يقارنه وكثيرا ما يقع الغلط للعبد في هذا المقام ويذنب الذنب فلا يري أثره عقيبه ولا يدري أنه يعمل وعمله على التدريج شيئا فشيئا كما تعمل السموم والأشياءالضارة حذو القذة بالقذة فإن تدارك العبد نفسه بالأدوية والاستفراغ والحمية وإلا فهو صائر إلى الهلاك هذا إذا كان ذنبا واحدا لم يتداركه بما يزيل أثره فكيف بالذنب على الذنب كل يوم وكل ساعة والله المستعان فصل
فاستحضر بعض العقوبات التى رتبها الله سبحانه وتعالى على الذنوب وجوز وصولها إليك واجعل ذلك داعيا للنفس إلى هجرانها وأنا أسوق إليك منها طرفا يكفي العاقل مع التصديق ببعضه فمنها الختم على القلوب والإسماع والغشاوة على الإبصار والإقفال على القلوب