وهكذا عندهم الكسر مع الانكسار والحرق مع الاحراق والازهاق ومع القتل ليس شيء من ذلك سببا ألبتة ولا إرتباط بينه وبين ما يترتب عليه الا بمجرد الاقتران لا التأثير السببي وخالفوا بذلك الحس والعقل والشرع والفطرة وسائر طوائف العقلاء بل أضحكوا عليهم العقلاء والصواب ان ههنا قسما ثالثا غير ما ذكره السائل وهو أن هذا المقدور قدر بأسباب ومن أسبابه الدعاء فلم يقدر مجردا عن سببه ولكن قدر بسببه فمتى أتي العبد بالسبب وقع المقدور ومتى لم يأت بالسبب انتفى المقدور وهذا كما قدر الشبع والري بالاكل والشرب وقدر الولد بالوطيء وقدر حصول الزرع بالبذر وقدر خروج نفس الحيوان بذبحه وكذلك قدر دخول الجنة بالاعمال ودخول النار بالاعمال وهذا القسم هو الحق وهذا الذي حرمه السائل ولم يوفق له وحينئذ فالدعاء من أقوى الاسباب فاذا قدر وقوع المدعو به بالدعاء لم يصح أن يقال لا فائدة في الدعاء كما لا يقال لا فائدة في الاكل والشرب وجميع الحركات والاعمال وليس شيء من الأسباب أنفع من الدعاء ولا أبلغ في حصول المطلوب ولما كان الصحابة رضى الله عنهم أعلم الامة بالله ورسوله وأفقههم في دينه كانوا أقوم بهذا السبب وشروطه وآدابه من غيرهم وكان عمر رضى الله عنه يستنصر به على عدوه وكان أعظم جنده وكان يقول للصحابه لستم تنصرون بكثرة وانما تنصرون من السماء وكان يقول اني لا أحمل هم الاجابة ولكن هم الدعاء فاذا ألهمت الدعاء معه فان الاجابة معه وأخذ هذا الشاعر فنظمه فقال
لو لم ترد نيل ما أرجوه وأطلبه ... من جود كفيك ما علمتنى الطلبا
فمن ألهم الدعاء فقد أريد به الاجابة فان اله سبحانه يقول إدعوني أستجب لكم وقال وإذا سألك عبادي عنى فأني قريب أجيب دعوة الداع أذا دعان وفى سنن ابن ماجه من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله من لم يسأل الله يغضب عليه وهذا يدل على أن رضاه في سؤاله وطاعته وإذا رضى الرب تبارك وتعالى فكل خير في رضاه كما أن كل بلاء ومصيبة في غضبه وقد ذكر الامام أحمد في كتاب الزهد أثرا أنا الله لا إله إلا أنا إذا رضيت باركت وليس لبركتي منتهى وإذا غضبت لعنت ولعنتى تبلغ السابع من الولد وقد دل العقل والنقل والفطرة وتجارب الامم على اختلاف أجناسها ومللها ونحلها على أن التقرب الى رب العالمين وطلب مرضاته والبر والاحسان الى خلقه من أعظم الأسباب الجالبة لكل خير واضدادها من أكبر الاسباب الجالبة لكل شر فما استجلبت نعم الله واستدفعت نقمة الله بمثل طاعته والتقرب اليه والاحسان الى خلقه وقد رتب الله سبحانه حصول الخيرات في الدنيا والآخرة وحصول السرور في الدنيا والآخرة في كتابه على الاعمال ترتيب الجزاء