وهذا ألطف من قول الآخر
إن قلت غبت فقلبي لا يصدقني ... إذ أنت فيه مكان السر لم تغب
أو قلت ما غبت قال الطرف ذا كذب ... فقد تحيرت بين الصدق والكذب فليس شيء أدني من المحب لمحبوبه وربما تمكنت المحبة حتى يصير في المحبة أدنى اليه من نفسه بحيث ينسي نفسه ولا ينساه كما قيل
أريد لأنسي ذكره فكأنما ... تمثل لي ليلى بكل سبيل
وقال الآخر
يراد من القلب نسيانكم ... وتأبي الطباع على الناقل وخص في الحديث السمع والبصر واليد والرجل بالذكر فان هذه الآلات آلات الادراك وآلات الفعل والسمع والبصر يوردان على القلب الارادة والكراهة ويجلبان اليه الحب والبغض فتستعمل اليد والرجل فاذا كان سمع العبد بالله وبصره به كان محفوظا في آلات إدراكه فكان محفوظا في حبه وبغضه فحفظ في بطشه ومشيه وتأمل كيف اكتفي بذكر السمع والبصر واليد والرجل عن اللسان فانه اذا كان ادرك السمع الذى يحصل باختياره تارة وبغير أختياره تارة وكذلك البصر قد يقع بغير الاختيار فجأة وكذلك حركة اليد والرجل التي لا بد للعبد منها فكيف بحركة اللسان التي لا يقع الا بقصد واختيار وقد يستغنى العبد عنها الا حيث أمر بها وأيضا فانفعال اللسان عن القلب أتم من انفعال سائر الجوارح فانه ترجمانه ورسوله وتأمل كيف حقق تعالى كون العبد به عند سمعه وبصره الذى يبصر به وبطشه ومشيه بقوله كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها تحقيقا لكونه مع عبده وكون عبده في إدراكاته بسمعه وبصره وحركته بيديه ورجله وتأمل كيف قال بي يسمع وبي يبصر وبي يبطش ولم يقل فلي يسمع ولى يبصر ولى يبطش وربما يظن الظان ان اللام أولى بهذا الموضع إذ هي أدل على الغاية ووقوع هذه الامور لله وذلك أخص من وقوعها به وهذا من الوهم والغلط إذ ليست الباء ههنا بمجرد الاستعانة فان حركات الابرار والفجار وإدراكاتهم انما هي بمعونة الله لهم وان الباء ههنا للمصاحبة إنما يسمع ويبصر ويبطش ويمشى وأنا صاحبه ومعه كقوله في الحديث الآخر أنا مع عبدى ما ذكرني وتحركت بى شفتاه وهذه المعية هي المعية الخاصة المذكورة في قوله تعالى إن الله معنا وقول رسول النبى ما ظنك باثنين الله ثالثهما وقوله تعالى وإن الله لمع المحسنين وقوله إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون وقوله واصبروا إن الله مع الصابرين وقوله كلا إن معي ربي سيهدين وقوله تعالى لموسى