بل ربما زاد أعداء الله على أوليائه في ذلك أضعافا مضاعفة وقد ضمن الله سبحانه لكل من عمل صالحا أن يحييه حياة طيبة فهو صادق الوعد الذي لا يخلف وعده وأي حياة أطيب من حياة اجتمعت همومه كلها وصارت هى واحدة في مرضات الله ولم يستشعب قلبه بل أقبل على الله واجتمعت إرادته وإنكاره التي كانت منقسمة بكل واد منها شعبة على الله فصار ذكر محبوبه الاعلى وحبه والشوق الى لقائه والانس بقربه وهو المتولى عليه وعليه تدور همومه وإرادته وتصوره بل خطرات قلبه فان سكت سكت بالله وإن نطق نطق بالله وإن سمع فبه يسمع وإن أبصر فبه يبصر وبه يبطش وبه يمشى وبه يتحرك وبه يسكن وبه يحيى وبه يموت وبه يبعث كما في صحيح البخارى عنه فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى أنه قال ما تقرب الى عبدى بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب الي بالنوافل حتي أحبه فاذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشى بها فيى يسمع بي يبصرو بي يبطش وبي يمشى ولئن سئلني لاعطينه ولئن استعاذ بي لاعيذنه وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي عن قبضى روح عبدي المؤمن من يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه فتضمن هذا الحديث الشريف الالهى الذي حرام على غليظ الطبع كثيف القلب فهم معناه والمراد به حصر أسباب محبته في أمرين أداء فرائضه والتقرب اليه بالنوافل وأخبر سبحانه أن أداء فرائضه أحب مما تقرب اليه المتقربون ثم بعدها النوافل وأن المحب لا يزال يكثر من النوافل حتي يصير محبوبا لله فاذا صار محبوبا لله أوجبت محبة الله له محبة منه أخرى فوق المحبة الاولى فشغلت هذه المحبة قلبه عن الفكرة والاهتمام بغير محبوبه وملكت عليه روحه ولم يبق فيه سعة لغير محبوبه البتة فصار ذكر محبوبه وحبه مثله الأعلى مالكا لزمام قلبه مستوليا على روحه إستيلاء المحبوب على محبه الصادق في محبته التي قد اجتمعت قوى حبه كلها له ولا ريب ان هذا المحب ان سمع سمع لمحبوبه وان أبصر أبصر به وان بطش بطش به وان مشي مشي به فهو في قلبه ومعه ومؤنسه وصاحبه فالباء ههنا باء المصاحبة وهى مصاحبة لا نظير لها ولا تدرك بمجرد الاخبار عنها والعلم بها فالمسألة خالية لا علمية محضة واذا كان المخلوق يجد هذا في محبة المخلوق التي لم يخلق لها ولم يفطر عليها كما قال بعض المحبين
خيالك في عيني وذكرك في فمي ... ومثواك في قلبي فأين تغيب
وقال الآخر
وتطلبهم عيني وهم في سوادها ... ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعى
ومن عجب أني أحن اليهم ... فأسئل عنهم من لقيت وهم معي