فقد قسّم الأصوليون والفقهاء الحقوق باعتبار صاحبها، عدة تقسيمات. [1] وذكروا منها، ما اجتمع فيه الحقان: حق الله وحق العبد، وحق العبد فيه غالب، كالقصاص، لأن الفعل الموجب له هو الجناية العمد على النفس وما دونها، ولله تعالى فيها حق الاستعباد، وللعبد حق الاستمتاع ببقائها، وكانت العقوبة مشتملة على الحقيّن، وإن كان حق العبد راجحًا بلا خلاف.
والمقصود بحق الله، ما يتعلق به النفع العام للعالم، فلا يختص به أحد، وينسب إلى الله سبحانه وتعالى تعظيمًا [2] . أما حق العبد، فالمقصود به ما يتعلق به مصلحة خاصة بفرد أو بعدد من الأفراد، دون شيوعه على المجتمع [3] .
وسبب إذن الشارع للطبيب والجراح بمزاولة عملهما، -بالرغم من أنه يتضمن مساسًا بجسم المريض، وتمتعه بالإباحة في هذا الصدد،-استثناءً من قاعدة منع الأذى والضرر- الفائدة التي تعود على الفرد والمجتمع من قيامهما بواجب المعالجة، ولأنه إذا كان التطبيب واجبًا -عند الإذن به أو طلبه- استتبع ذلك، ألا يكون الطبيب مسؤولًا عما يترتّب على عمله من نتائج ضارة بالمريض، إذا لم يتعد الموضع المعتاد، لأن الواجب لا يتقيد بشرط السلامة، ولا يجامعه الضمان. [4]
فالشارع قدّر أن العمل الطبي أو الجراحي، وإن مس مادة جسم المريض، فإنه يحفظ مصلحته وكذلك مصلحة الشارع في صيانة ومنافع جسم الأول وحياته، وبذلك يؤدي عمل الطبيب إلى حفظ حق الله وحق العبد على نفس وجسم هذا الأخير، وتظل إباحة الشارع في هذه الحدود.
وقد راعى الشارع، هذه الضرورة الاجتماعية -على حد تعبير فقهاء المذهب الحنفي- بإذنه للطبيب بممارسة عمله، دون أن تقوم مسئوليته عن المساس بالحق في سلامة النفس والجسم، على أن يكون ذلك بإذن المريض أو من يقوم مقامه -كأصل عام-، حيث يشترك مع إذن الشارع، في رفع ما تبقّى من مسؤولية مترتبة على المساس بحق المريض على جسمه.
(1) راجع في تفصيل ذلك للباحث: حقوق المجني عليه وطرق كفالتها له، دراسة مقارنة في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي، رسالة دكتوراه، من كلية الشريعة والقانون بالقاهرة، جامعة الأزهر الشريف 1414 هـ 1994 م بند 22 ص 14 - 15.
(2) راجع كشف الأسرار: للبخاري على أصول الإمام البزدوي، طبعة مكتب الصنايع 1307 هـ جـ 4 ص 1254 - 1255، شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه، للقاضي صدر الشريعة عبدالله بن مسعود المحبوبي البخاري الحنفي، مكتبة محمد علي صبيح جـ 2 ص 302 وما بعدها.
(3) إدرار الشروق على أنواء الفروق: لابن الشاط، مطبوع مع الفروق، عالم الكتب، بيروت، جـ 4 ص 140 - 141.
(4) البحر الرائق شرح كنز الدقائق: لابن نجيم الحنفي، دار المعرفة، بيروت، 1413 هـ 1993 م جـ 8 ص 33.