مع اقتراب نهاية القرن العشرين، وبعد حوالي خمسمائة عام من ممارسة الغرب للإستعمار، وإنكشاف كل ما يواكبه من إعداد وإجراءات وممارسات، وبعد أن كنب العديد من أمناء نفس ذلك الغرب لكشف الإستعمار ومراحله وتقنيات إنسحابه، بل تناولوا ما ينبعه أو ما يفرضونه من أنظمة عسكرية يواصل المستعمر نفوذه من خلالها، وكل ما يفرضه على البلدان التي تم إسنعمارها من عمليات تغريب وطمس لهوينها وثقافتها وتراثها ودينها (1) ... وانكشف تكرار هذه المنظومة حتى مل التكرار نفسه، لم يعد بحق لأي مخلوق، أيا كان إنتماؤه أو اتجاهه، أن يصف الحملة الفرنسية على مصر بغير حقيقتها وبغير ما وصفها به من صنعوها وعاشوها: فقد كانت حملة صليبية إستعمارية بكل المقاييس وبكل أبعاد هذه العبارة ...
كما أن هناك أطرا عامة لا يجب إغفالها عند تناول هذه الحملة: الإطار الديني، والإطار السياسي، والإطار الاقتصادي، والإطار الحضاري، إلى جانب الآليات العامة من إعداد وأسلوب وممارسات.
إن الخلفية الدينية البعيدة المدى تكشف عن العداء الغائر في الغرب المسيحي الذي لم يكف عن محاربة الإسلام منذ بداية انتشاره حتى يومنا هذا. فمنذ الحرب الصليبية الأولى حتى مطالبة يوحنا بولس الثاني بتنصير العالم قبل عشية الألفية الثالثة، والمطلب واحد لم يتغير ... أما من الناحية الدينية المواكبة للحملة الفرنسية على مصر، ففي عام 1492 كان الغرب السبحى قد أنتهي من إنهاء دولة الفتح الإسلامي في الأندلس وبدأ يدبر الأمر لوقف إمتداده من الطرف الآخر الممثل في الأمبراطورية العثمانية. وكانت مصر تحتل الصدارة فيها بحكم موقفها وماضيها الحضاري وبحكم الإعداد لنهضة إسلامية جديدة بقيادة الأزهر وعلمائه.
(1) راجع کتاب سرج لا توش عن «تغريب العالم، وقد ترجم إلى العربية.