ويؤيد ما سبق - أيضًا- ما ذكره الشاطبي [1] حيث قال:- (وذلك أن السلف والخلف من التابعين ومن بعدهم يهابون مخالفة الصحابة، ويتكثرون بموافقتهم، وأكثر ما تجد هذا المعنى في علوم الخلاف الدائر بين الأئمة المعتبرين، فتجدهم إذا عينوا مذاهبهم قووها بذكر من ذهب إليها من الصحابة. وما ذاك إلا لما اعتقدوا في أنفسهم وفي مخالفيهم من تعظيمهم، وقوة مآخذهم دون غيرهم، وكبر شأنهم في الشريعة، وأنهم مما يحب متابعتهم وتقليدهم فضلًا عن النظر معهم فيما نظروا فيه)
رابعًا: المعقول [2] : وذلك بأن يقال:
إن الصحابي إذا قال قولًا أو حكم بحكم أو أفتى بفتيا فله مدارك ينفرد بها عنا ومدارك نشاركه فيها. فأما ما يختص به فيجوز أن يكون سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم - شفاهة أومن صحابي آخر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فإن ما انفردوا به من العلم عنا أكثر من أن يحاط به فلم يرو كل منهم كل ما سمع. وأين ما سمعه الصديق رضي الله عنه والفاروق وغيرهما من كبار الصحابة رضي الله عنهم إلى ما رووه؟ فلم يرو عنه صديق الأمة مائة حديث [3] وهو لم يغب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في شيء من مشاهده بل صحبه من حين بعث بل قبل البعث إلى أن توفي وكان أعلم الأمة به - صلى الله عليه وسلم - بقوله وفعله وهديه وسيرته، وكذلك أَجِلَّة الصحابة روايتهم قليلة جدًا بالنسبة إلى ما سمعوه من نبيهم وشاهدوه ولو رووا كل ما سمعوه وشاهدوه لزاد على
(1) انظر: الموافقات (4/ 77) .
(2) انظر: إعلام الموقعين (4/ 147) وما بعدها.
(3) انظر: تدريب الرواي (2/ 218) .