الصفحة 3 من 19

والقرافي يرى أن التمكن من مقاصد الشريعة وأسرارها، هو السبيل الوحيد لإبطال شبهات المبطلين والمشككين، حيث يقول:"وأما القيام بدفع ُشبَه المبطلين، فلا يتعرض له إلا من طالع علوم الشريعة وحفظ الكثير منها، وفهم مقاصدها وأحكامها، وأخذ ذلك عن أئمةٍ فاوَضَهُم فيها، وراجعهم في ألفاظها وأغراضها." [1]

وفي هذه الأثناء كان أكثر الفقهاء قد أخذوا يميلون ـ أكثر فأكثرـ إلى (الفقه السهل) ، فقهِ التقليد والتجميد، بدعوى أنه ليس في الإمكان أبدع مما كان، وفقهِ الاحتياط والسلامة، بدعوى الفتن وفساد الزمان، وفقهِ المختصرات و"القوانين الفقهية"، بدعوى فتور الهمم، وفقهِ البدع، بحجة أنه"تحدث للناس مُرَغِّباتٌ بقدر ما أحدثوا من فتور"، [2] على غرار القولة القديمة"تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من فجور". وهذا ما دعا القِلَّةَ من الفقهاء المتبصرين إلى مزيد من العناية ببعث الروح الاجتهادية المقاصدية وبثها في الأوساط العلمية، وخاصة منها الأوساط الفقهية الأصولية.

وفي هذا السياق جاء الشاطبي ليحاول القيام بعمل تصحيحي وتجديدي، يقتفي فيه أثر المتقدمين ومَن سار على نهجهم من اللاحقين. وكانت ميزة الشاطبي الأولى، هي أنه جعل مقاصد الشريعة جوهر التجديد، وأساس الاجتهاد، ومعيار أهليته ومَجْمَعَ شرائطه. قال رحمه الله:"إنما تحصل درجة الاجتهاد لمن اتصف بوصفين:"

أحدهما: فهم مقاصد الشريعة على كمالها.

والثاني: التمكن من الاستنباط بناء على فهمه فيها." [3] "

الفكر الأصولي الفقهي عند الإمام الشاطبي كان فكرا تجديديا مقاصديا إلى حد بعيد. لكن الشاطبي لم يكن مجددا في القرن الثامن الهجري، بقدر ما هو مجدد في القرن الرابع عشر الهجري، حيث تمت ولادته العلمية الحقيقية. وقد تمثل ذلك في نشر كتابيه (الموافقات) و (الاعتصام) . ولذلك يمكن أن نقول: لقد تلاه مباشرة ظهور العلامة ابن عاشور. فما إن نشر كتاب (الموافقات) حتى تلقفه ابن عاشور وقام بتدريسه وترويج أفكاره ومنهجيته. ثم لم يلبث أن قام يؤلف على منواله قائلا:"فأنا أقتفي آثاره، ولا أهمل مهماته، ولكن لا أقصد نقله ولا اختصاره." [4]

(1) الذخيرة 13/ 232

(2) كلمة لأبي سعيد بن لب، مفتي غرناطة وشيخ الشاطبي. وقد كانت موضوع خصومة وسجال بين الرجلين.

(3) الموافقات 4/ 63

(4) مقاصد الشريعة الإسلامية ص 174

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت