بسم الله الرحمن الرحيم
استنباط الأحكام الشرعية هو عمل العلماء المجتهدين.
فالحديث عن استنباط الأحكام، هو حديث عن الاجتهاد وعن الاستنباط، بمعناهما الأصولي المعروف. وهو ما لا يحتاج ـ في مقامنا هذا ـ إلى أي تعريف أو توضيح. وكذلك الشأن مع (مقاصد الشريعة) .
فلذلك أُوَفِّر على نفسي وعلى السادة العلماء الأجلاء، أي صفحة أو وقت يمكن تخصيصهما لتوضيح مفردات العنوان في هذا البحث، وأنصرف مباشرة إلى صلب الموضوع والغرضِ منه، وهو الاعتماد على مقاصد الشريعة في استنباط الأحكام الشرعية.
قد لا نجد عند المتقدمين الكثير من التنظير والتأصيل في مدى الحاجة، ووجوه الحاجة، إلى مقاصد الشريعة، عند الاجتهاد واستنباط الأحكام. وهذا راجع في جزء منه إلى قلة التنظيرـ عموما ـ في المراحل الأولى للحركة العلمية الإسلامية. ولكنه يرجع أيضا إلى بداهة المسألة وجريانها الفعلي في فقههم واجتهاداتهم. لقد كانت المقاصد سارية في فقه الصحابة والفقهاء المتقدمين، سريان الروح في أبدانهم والدمِ في عروقهم. كيف لا والمقاصد هي"روح الشريعة وحِكَمها وغاياتها ومراميها ومغازيها"كما يقول شيخنا ابن بية [1]
لكن الأمور اختلفت عند المتأخرين، ثم بدرجة أكبر عند المعاصرين.
فمنذ القرنين الثالث والرابع، نمت حركة التأليف والبحث والنقاش النظري، في كافة العلوم والقضايا النقلية والعقلية، ومنها البحث في أصول الشريعة وعللها وقواعدها. وفي هذا الوقت أيضا نجمت النزعة الظاهرية اللفظية في تفسير الدين وشريعته. ظهرت في المشرق، ثم لم تلبث أن وجدت لها رواجا ـ ربما أقوى ـ في الأندلس والمغرب.
ثم حصلت تطورات تاريخية وفكرية، حملت معها تحديات وإشكالات عديدة لعلماء الشريعة وأعلامها.
فالجويني كان يتوقع ـ أو على الأقل كان يخشى ـ"خُلُوَّ الزمان من المجتهدين ونَقَلَةِ المذاهب وأصول الشريعة"، وهذا دعاه إلى كثير من البحث والتأمل والتعمق في أصول الشريعة وفروعها ومقاصدها ومراميها، تحسبا للنازلات قبل حلولها ... [2]
(1) علاقة مقاصد الشريعة بأصول الفقه، ص 133
(2) انظر الغياثي، فقرة 367، وينظر ما بعدها إلى نهاية الكتاب