الصفحة 9 من 42

وقد استدل أصحاب هذا القول بالأدلة التالية:

الدليل الأول: عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فِي غُلاَمٍ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، هذا ابْنُ أَخِي عُتْبَةُ بْنُ أَبِى وَقَّاصٍ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ أَنَّهُ ابْنُهُ انْظُرْ إِلَى شَبَهِهِ، وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: هَذَا أَخِي يَا رَسُولَ اللهِ، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي مِنْ وَلِيدَتِهِ، فَنَظَرَ النَّبِيُّ، عليه السَّلام، إِلَى شَبَهِهِ فَرَأَى شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ، فَقَالَ: «هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ، وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ بِنْتَ زَمْعَةَ، فَلَمْ تَرَهُ سَوْدَةُ قَطُّ» [1] .

وجه الاستدلال من الحديث:

قال أبو بكر الجصاص- رحمه الله تعالى-: قوله «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» قد اقتضى معنيين: أحدهما إثبات النسب لصاحب الفراش، والثاني: أن من لا فراش له فلا نسب له، لأن قوله: الولد اسم للجنس، وكذلك قوله: الفراش للجنس، لدخول الألف واللام عليه، فلم يبق ولد إلا وهو مراد بهذا الخبر، فكأنه قال لا ولد إلا للفراش، ولأنه لو لم يكن النسب مقصورًا على الفراش وما هو في حكم الفراش لما كان صاحب الفراش أولى بالنسب من الزاني، وكان ذلك يؤدي إلى إبطال الأنساب وإسقاط ما يتعلق بها من الحقوق والحرمات [2] .

وقال الكاساني- رحمه الله تعالى-: إن النبي- عليه الصلاة والسلام- أخرج الكلام مخرج القسمة فجعل الولد لصاحب الفراش والحجر للزاني، فاقتضى أن لا يكون الولد لمن لا فراش له، كما لا يكون الحجر لمن لا زنًا منه، إذ القسمة تنفي الشركة [3] .

وقال ابن عبد البر- رحمه الله تعالى-: فكانت دعوى سعد سبب البيان من الله عز وجل على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - فِي أَنَّ الْعَاهِرَ لَا يَلْحَقُ بِهِ في الإسلام ولد يدعيه من الزنى، وَأَنَّ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ عَلَى كُلِّ حَالٍ [4] .

(1) أخرجه البخاري: كتاب البيوع، باب شراء المملوك من الحربي وهبته وعتقه: ص 413 ح 2218، ومسلم: كتاب الرضاع، باب الولد للفراش، وتوقي الشبهات: ص 666 ح 1457.

(2) ينظر: أحكام القرآن: 5/ 24، 5/ 160.

(3) ينظر: بدائع الصنائع: 6/ 242.

(4) ينظر: الاستذكار: 7/ 163.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت