فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 32

ب. حديث جابر الذي أعطى الرسول فيه الغرماء قبل أن يعطيَ الورثة شيئًا عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما أن أباه استشهد يوم أحد وترك ست بنات وترك عليه دينًا فلما حضره جذاذ النخل أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت: يا رسول الله، قد علمت أن والدي استشهد يوم أحد وترك عليه دينًا كثيرًا، واني أحب أن يراك الغرماء. قال اذهب فبيدر كل تمر على ناحية، ففعلت، ثم دعوته، فلما نظروا إليه أغروا بي تلك الساعة، فلما رأى ما يصنعون طاف حول أعظمها بيدرًا ثلاث مرات، ثم جلس عليه ثم قال: ادعٌ أصحابك فما زال يكيل لهم حتى أدى الله أمانة والدي، وأنا والله راض أن يؤدي الله أمانة والدي ولا أرجع منه إلى أخواتي تمرة فسلم الله البيادر كلها حتى إني انظر إلى البيدر الذي عليه رسول الله كأنه لم ينقص تمرة واحدة [1] ، قال ابن العربي بعد إيراده للحديث:"فقدم - صلى الله عليه وسلم - الدين على الميراث" [2] .

المسألة المشركة ينظر فيها إلى جانب الأم ليترجح جانبها، فيرث الإخوة الأشقاء، ولولا هذا الترجيح لورث الإخوة لأم وحرم الإخوة الأشقاء، وكان ترجيح جانب الأم دالًا على أهميتها، وعلى احترام الشريعة لجانب الأنوثة، وهذا الترجيح حقق العدالة في المسألة المشركة، وجعل المسألة ترد إلى الأصول العامة في الميراث، وهي تتكون من: زوج وأم، وثلاثة إخوة لأم، وأربعة إخوة أشقاء، وأختين شقيقتين، فالزوج له النصف، والأم لها السدس، والإخوة لأم لهم الثلث، والإخوة والأخوات الأشقاء لهم الباقي تعصيبًا، ولم يبق لهم في المسألة شيء، فقد جاء الإخوة الأشقاء إلى عمر يذكرون له حرمانهم، وأنهم لا يقلون عن الإخوة لأم، إذ إنهم إخوة للميتة من الأم أيضا، فأشركهم عمر بالثلث، فقد نهض بهم جانب الأم، وإلا فليس لهم عن طريق التعصيب شيء من الميراث.

وقد روى أن عمر كان لا يشرِّك بينهم حتى احتج الإخوة من الأب والأم، فقالوا: يا أمير المؤمنين لنا أب وليس لهم أب، ولنا أم كما لهم، فإن كنتم حرمتمونا لأبينا فورثونا بأمنا، كما ورثتم هؤلاء بأمهم، واحسبوا أبانا كان حمارًا، أليس قد تراكضنا برحم واحدة؟ فقال عمر عند ذلك صدقتم، فأشرك بينهم وبين الإخوة لأم في الثلث [3] ، ومما يدل على هذا الاجتهاد:

• عموم قوله تعالى: {وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوَا أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ} [12:النساء] ،

(1) أخرجه البخاري، ابن حجر، فتح الباري، ج 5، ص 413، معنى جذاذ النخل: موعد قطافه، والبيدر هو المكان الذي يجمع فيه الثمر.

(2) ابن العربي، أحكام القرآن، ج 1، ص 343.

(3) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، ج 4، ص 466. الجصاص، أحكام القرآن،

ج 2، ص 9. السرخسي، المبسوط، ج 29، ص 154، 155.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت