فالآية شملت في عمومها كل أخ لأم، سواءً أكان أخا لأب أم لم يكن، والأب
لا يزيد ما بينهما ضعفا، بل يزيده قوة وتأكيدا [1] .
• يسقط عَدُّ الأب في حق الإخوة الأشقاء، ويبقى عدُّ قرابة الأم، لأنهم في ذلك سواء [2] .
• إن الإخوة لأم أدلوا إلى الميت بوساطةِ الأم وورثوا بهذه الوساطة، والإخوة الأشقاء يدلون الوساطة نفسها وهي الأم فالعدالة أن يرثوا كما ورث الإخوة لأم.
ويلاحظ هنا أنه لو كان إخوة لأب، وأخوات لأب في هذه المسألة مكان الأشقاء والشقيقات لما ورثوا شيئًا، فإن الأب وحده لم يرجح على الأم، والإخوة لأم الذين أدلوا بالأم كان لهم نصيبهم، أما الذين أدلوا بالأب فلم يكن لهم شيء، وهذا فيه ترجيح لجانب المرأة.
ولو كان مكان الأشقاء شقيقات فقط ورثن بالفرض، للواحدة النصف، وللاثنتين فأكثر الثلثان، وهذا يدل على أن جانب الشقيقة أقوى من الشقيق في هذه الحالة، قال الدسوقي في عرضه للمسألة المشركة:"فلو كان مكان الشقيق شقيقة فقط لم تكن مشرَّكة وعيل لها بالنصف فتبلغ تسعة بالعول" [3] .
ولو كان مكان الشقيقة أخت لأب قامت مقامها كذلك، فيكون للأخت لأب في مثل هذه المسألة النصف، وللأختين لأب فأكثر الثلثان، وهذا من جوانب ترجيح المرأة على الذكر في الميراث.
ومن رجحان جانب المرأة تقديم بعض العصبات على بعض، فإذا تساووا في الدرجة والجهة رجحت الأم الجانب الذي أدلى بها، فيأخذ التعصيب دون الآخر، ومثال ذلك لو اجتمع عصبتان للميت: أخٌ شقيق وأخٌ لأب فهذان في درجة واحدة، ومن جهة واحدة، لكن الأخ الشقيق هو الذي يرث التعصيب، ويحجب الأخ لأب، فجانب الأم هو الذي قدمه، وكذلك لو اجتمع العم الشقيق والعم لأب، وابن الأخ الشقيق وابن الأخ لأب، وابن العم الشقيق وابن العم لأب، إلى آخر ذلك من العصبات، كان جانب الأم يُقدم الأوْلى فيرث التعصيب وحده ويحجب الآخر.
يقول الباجي:"إن الأخ لأب وأم أولى من الأخ لأب، لأن الأم يدلى بها إلى الميراث إذا انفردت كما يدلي بالأب إذا انفرد، فإذا اجتمعا كان أقوى من انفراد أحدهما" [4] . وقال السرخسي عند ذكره هذه المسألة:"فقرابة الأم أولى بالترجيح" [5] .
ومن رجحان المرأة أنها ترث غالبًا بالفرض، والرجل يرث في الغالب بالتعصيب، وهذا يجعل المرأة إن كانت وارثة لا تخرج إلا بنصيب من التركة، لكن العصبة قد تنفذ التركة أحيانًا، وتستغرق الفروض التركة كلها، ولا يبقى له شيء.
(1) الباجي سليمان بن خلف (ف 494 ه (، المنتقى شرح الموطأ للإمام مالك، دار الكتاب العربي، ط 1، بيروت، 1332 ه، ج 6، ص 231.
(2) السرخسي، محمد بن أبي سهل، المبسوط، دار المعرفة، بيروت، 1406 ه، ج 29، ص 155.
(3) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، ج 4، ص 466.
(4) الباجي، المنتقى، ج 4، ص 244.
(5) السرخسي، المبسوط، ج 29، ص 155.