إن المنافقين هم الأداة الأساسية لاختراق الصف الإسلامي، ويستوي في ذلك من يدخل لهذا الغرض ابتداء (غالبا من الصنف الأول) ، ومن يجنده العدو لهذا الغرض بعد أن يكتشف أنه من العناصر الذين {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَض} ، والذين يتم التعرف عليهم من خلال المواقف المتأرجحة {مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاء} ، لأنها توحي للخبراء بوجود حالة من الاهتزاز النفسي يَعرفون كيف يروّضُون حاصبها ليصبح من عناصر العمل الاستخباراتي.
وبعيدا عن السير في خط الأساليب العاطفية التي تميع مسألة التدين (الإلتزام) وتجعلها مختزلة في بعض المظاهر الشكلية يمكن أن نقول إن الحركة الإسلامية لازالت تعاني إلى الآن من الأثر السام للتعاون القائم بين المنافقين والكافرين، قال تعالى: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ} [المائدة:52] .
ورغم أننا لا نستطيع القضاء على النفاق كظاهرة موجودة كان ولازال يمثلها نوع من البشر على امتداد التاريخ، مما يعني أننا لا نستطيع القضاء على الوجود الفعلي للمنافقين بشكل كامل، إلاّ أنه من الممكن جدا أن نَسْلم من المؤامرات والأحابيل التي ينصبها المنافقون للمؤمنين، عن طريق تحصين الساحة الإسلامية العامة والمفتوحة بالوعي الذي يساعد على الاكتشاف المبكر لتلك العناصر الدخيلة، وبالتوجيه التربوي الذي يوجد حالة من الحساسية اتجاهها، وبالوعي الحركي الذي يستطيع صاحبه أن يفرق بين المواضيع ذات الطابع العام والتي يمكن تناولها أمام الجميع، والمواضيع ذات الصبغة الخاصة التي تحتاج إلى حد لا بأس به من التحفظ والاحتياط. أضف إلى هذا كله ضرورة أن تأخذ الجماعات العاملة بالصيغ التنظيمة الكفيلة بغربلة الطفيليات والحيلولة دون تسربها إلى المواقع الحساسة.
لكن تجدر الإشارة إلى أن سياسة الحذر ليست هي الموقف النهائي اتجاه المنافقين، بل هناك ما هو أكبر من ذلك وهو الجهاد، جهاد المنافقين، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} [التوبة:73] ، مما يوحي بالابتعاد عما تعارف عليه الناس من أساليب المجاملة الكاذبة التي تتغافل عن كل السلبيات والأخطار المهددة لإيمان الفرد ومصلحة الجماعة، فللحلم غاية، وللسماحة والتغاضي أجل، ولكل مرحلة من مراحل العمل ما يناسبها، إضافة إلى أن الاستهداف المباشر لبعض العناصر المنافقة قد يكون أكثر إيجابية وأبلغ في تحقيق المقصود.