الصفحة 10 من 46

بقلم؛ سيف الدين الأنصاري

من أهم ما تتميز به الأحكام الشرعية أنها تتسم بالانسجام الكامل بين مفرداتها، فلا يمكن أن تجد حكما شرعيا يعارض حكما شرعيا آخر، أو يسير في الاتجاه المضاد لما يقرره، خاصة إذا تم الالتزام الدقيق بالضوابط العلمية في استفادة الحكم من الدليل. بل إن هناك إجماعا على أن الأحكام الشرعية تشكل فيما بينها منظومة متكاملة ومتناسقة، تُؤسس عند المسلم رؤية واضحة، وترسم له خطًا بارز المعالم يقوده إلى الأهداف وفق نظام سنني، يظهر فيه - بجلاء - الترابط الوطيد بين النتائج المرغوبة والمقدمات المطلوبة.

في هذا الإطار يأتي الأمر بإعداد القوة كواجب شرعي يتوافق تمام التوافق مع وجوب التمكين للدين، بل ويشكل المقدمات المناسبة لتحققه، فالتمكين للدين - بما يعنيه من علوٍ لأحكام الشريعة واستتباب الأمر للجماعة المسلمة - يعد هدفا ثقيلا، لا يمكن لحركة التغيير الإسلامي أن تصل إليه من غير أن تكون مالكة للقوة التي تمكنها من ذلك، ومن هنا جاء الأمر الصريح باستفراغ الجهد في عملية إعداد القوة، وبذل كل المستطاع في هذا الاتجاه دون كلل أو ملل، قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال:60] .

وتجدر الإشارة - قبل الدخول في الموضوع - إلى أن امتلاك القوة شيء، واستعمالها شيء آخر، فهما أمران منفصلان، ومن المهم جدا التفريق بينهما، لأن الخلط يؤدي إلى حالة من الارتباك في التعامل مع الموضوع، إما بالإفراط أو بالتفريط، فقد يفهم البعض من امتلاك القوة ضرورة استعمالها بلا توقف أو ربما بلا حدود، مما قد يؤدي إلى نتائج عكسية يصعب معها الوصول إلى الأهداف المرسومة. كما أن بعضًا آخر قد تدفعه حساسيته اتجاه الجهاد - كصورة لاستعمال القوة - إلى رفض امتلاك القوة أصلا، وهو ما يؤدي حتمًا إلى ترسيخ حالة الضعف عند المسلمين، وبالتالي تكريس الوضع القائم واستحالة تغييره رغم كل الجهود المبذولة في هذا الاتجاه.

المهم، ما نقصده هنا هو إبراز دور امتلاك القوة، من خلال الارتكاز إلى الدلالات التي تحملها نصوص الوحي، لأنها نبراس المسلم في حركة الحياة. على أننا سوف نختصر تجليات الدور الذي تؤديه القوة في ثلاثة وظائف أساسية، دون أن يعني ذلك نوعا من الحصر أو الإقصاء لغيرها من الوظائف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت