الصفحة 39 من 46

الكاتب: سيف الدين الأنصاري

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

"أمطري أو لا تمطري، فحيثما أمطرت فإن خراجك سيحمل إلينا"

كلمات خاطب بها الخليفة هارون الرشيد -رحمه الله- سحابة مرت فوق رأسه فلم تمطر، فجاءت معبرة بصدق عن معاني التمكين لهذا الدين، ومعاني العز لأهله .. ، إنها دولة الإسلام الممتدة امتداد الأرض إلاّ قليلا ..

إن مفاهيم الحق تبقى دمى في عالم الأشباح لا تجري فيها روح الحياة إلاّ إذا حملها أناس صادقون لا يرضون إلاّ بالموت في سبيلها، حتى إذا تمكن هذا المعنى من نفوسهم -كما تمكن من سلف هذه الأمة-، كان ما عبّر عنه الشاعر بقوله: تلك آثارنا تدل علينا .... فانظروا بعدنا إلى الآثار.

وأشدّ ما تعانيه ساحتنا اليوم هو هذا التباطؤ في الاستجابة للحق، والفصامُ النكد الذي أقامه الناس بين ما يحملونه من المفاهيم وما يمارسونه من العمل [1] ، حتى اكتفى الناس من الحق بالانتساب إليه، مقيمين بذلك جدارا سميكا بينهم وبين هذا الدين، فكان لزاما على من عزم على صدق السير إلى الله جل وعلا من استحضار مجموعة من حقائق أهمها:

أولًا: إن قضية هذا الدين -وهي الخلافة في ظل العبودية- قضية عملية وليست قضية ثقافية، ولا هي قضية كلامية، ولذلك لا يمكن أن يكون تحقيقها بإغناء الذاكرة بالمعلومات الإسلامية التي لا حظ لها من واقع العمل، ولا بملء الدنيا كلاما عنها مادام هذا الكلام -ولو كان طيبا- لم يتبعه عمل] إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر:10] .

ثانيًا: إن طبيعة هذا الدين طبيعة عملية، وانطلاقا من هذه الطبيعة أوتي النبي صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم، حتى إن الصحابة رضوان الله عنهم عندما وصفوا كلامه قالوا لَوْ عَدَّهُ الْعَادُّ لأحْصَاهُ) [البخاري] ، لأنه كما قال ابن القيم رحمه الله: (ليس العلم بكثرة الرواية ولا بكثرة المقال، ولكنه نور يُقذف في القلب يفهم به العبد الحق ويميز بينه وبين الباطل، ويعبر عن ذلك بعبارات وجيزة محصلة للمقاصد) [2] . ولذلك كان منهجهم في تلقي هذا الدين يقوم على"أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا" [دقائق التفسير2/ 227] .

ثالثًا: إن الجزاء في الدنيا والآخرة على ما قدم المرء من العمل، فالذين يدخلون الجنة إنما يدخلونها بالعمل [3] ، قال سبحانه:] وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمْ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [[الأعراف:43] ، والذين يدخلون النار إنما يدخلونها بالعمل قال سبحانه:] وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [[النمل:90] ، وفي الحديث القدسي: (إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت