الصفحة 40 من 46

فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلاّ نَفْسَهُ) [مسلم] ، فلا جدوى للكلام ولا ثقة به ولا اطمئنان إليه إلاّ إذا صدقه دليل العمل،] وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [[التوبة:105] .

رابعًا: إن العمل هو الذي يحدد قيمة المرء عند الله جل علا ومنزلته عند المؤمنين، وقد قال عليه الصلاة والسلاموَمَنْ أبطَأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ) [الترمذي] ، وليس الإيمان بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل، ومحل نظر الرب جل وعلا من العبد قلبه وعمله، قال عليه الصلاة والسلام: (إِنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ) [مسلم] .

خامسًا: إن العلم بالحق لم يكن في يوم من الأيام مقصودا لذاته، وإنما يطلب العلم بالحق من أجل العمل به، وقد كان الحسن البصري رحمه الله يقول: (ابن آدم ما يغني عنك ما جمعت من حكمة الحكماء وأنت تجري في العمل مجرى السفهاء) [جامع بيان العلم:2/ 9] ، فالمقصود ابتداء هو العمل، وما العلم إلاّ دليل، قال الشاطبي رحمه الله: (العلم وسيلة من الوسائل، ليس مقصودًا لنفسه من حيث النظرُ الشرعي، وإنما هو وسيلة إلى العمل، وكل ما ورد في فضل العلم فإنما هو ثابت للعلم من جهة ما هو مكلَّف بالعمل به) [الموافقات:1/ 65] ، فتأمل فإنما أغلق باب التوفيق عن الخلق من اشتغالهم بالعلم وتركهم العمل [4] .

وماذا يغني عن المرء أنه يعرف التوحيد إن لم يكن موحدا .. ؟، وماذا يغني عنه أنه يعرف منهج أهل السنة إن لم يكن سُنيّا .. ؟، وماذا يغني عنك أنك تعرف أهمية الجهاد وضرورته ثمّ لا أنت في جهاد ولا أنت في إعداد له .. ؟، بل ماذا يغني عن المرء أنه يتغنى بالإعداد وقد وزع وقته بين الراحة البدنية .. والعشرة الزوجية .. والعلاقات الاجتماعية .. والصداقات الجانبية .. والأعمال الهامشية .. وقس على ذلك .. فالقائمة طويلة، وكفى المرأة من العمل حسن تبعّلها لزوجها، وكفاه هو من الإعداد خيركم خيركم لأهله، وإن ذكّر أو حوسب قال بعد فهم سقيم: ساعة وساعة، وكأننا في عز من قال لها: .. فلنكن صرحاء .. هل نحن قوم عمليون؟ [5]

إن حركية هذا الدين حقيقة قد غرست في نفوس الجيل الأول حتى خالطت الدماء التي تجري في عروقهم، فبعضهم أهل بيعة الرضوان، وبعضهم] السَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ [[التوبة:100] ، وبعضهم] الَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا [[الأنفال:72] ، وبعضهم أهل بدر، وبعضهم] الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمْ الْقَرْحُ [[آل عمران:172] ... ، جيلٌ ربته معاناة العمل وميادين الممارسة، فأثر أبناءه على سير الأحداث بل وصنعوها، ولم يكتفوا بالعيش في ظلها لا يحسنون إلاّ استهلاكها في حديث المجالس الراكدة التي لا تكلف أصحابها إلاّ حركة اللسان، ولا جعلوها مادة تسلية لِلِقاءات من استحكم الفراغ من قلوبهم.

إن الإسلام اليوم بحاجة إلى رجال ينزعون إلى الجد، ويستعذبون التعب، ويرتاحون بالنَّصب، فيترجمون بصمت متطلبات المنهج الشرعي إلى واقع عملي يحترم المعطيات الذاتية والظروف الموضوعية، بعيدا عن الضوضاء والعجعجة التي قلبت الحق إلى جدل سفسطائي، يكثر فيه التبجح بالكلام ويقل فيه نصيب المرء من العمل .. رجالِ النفوس الصادقة والهمم العالية والعزائم القوية التي لا تعرف إلاّ سَمْت التلقي للتنفيذ، فتأبى أن يقعدها الكلل، أو يدركها الملل، أو تنفق أعمارها في المراء والجدل.

وهذا يفرض علينا أمورا كثيرة أهمها:

1 -الصدق في الإقدام الكامل على العمل بهذا الدين وله، والابتعادُ عن أخلاق الذين استسلموا للهوى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت