وأسرهم الوهن فجعلوا قضية هذا الدين قضية هامشية لا تأخذ منهم إلاّ الفضل من إحساس قلوبهم، والاستثناء من أوقات حياتهم، واليسير من أموالهم .. مقبلين على هذا الدين برجل راسخة في الدنيا وأخرى يتمنون على الله أن يضعوها في الآخرة، لا يطلبون إلاّ الراحة، ولا يحرصون إلاّ على الاستقرار الاجتماعي، حسبهم من الإسلام قراءة جريدة أو مطالعة كتاب، ثم يحسبون أنهم على شيء، و] إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ [[الحجرات:15] .
2 -ارتباطُ جهود المنتسبين إلى هذا الدين بقدر كبير من العمل وقدر قليل من الكلام، والحذرُ من حالات الاسترخاء التي تقلب هذا الدين إلى قضية كلامية تُستهلك في مجالس من استنزفتهم معارك الشبهات، وأقعدتهم هواجس الشهوات، فأفنوا أعمارهم في استحضار بارد لذكريات العز المسلوب، ومن اجتهد منهم .. ففي إبداء فصاحة اللسان على حساب لغة العمل، أو انعزالٍ سلبي يفر به من ميدان التدافع، حتى إذا قيل لهم"أين العمل؟"دفعت بهم الأهواء إلى التنقيب عن الأعذار الواهية لإخفاء القعود.
3 -الحذر من جعل قضية هذا الدين قضية فكرية لا يقدم فيها المرء إلاّ الرّصد السَلبي للأحداث، واستهلاك العمر في تشخيص الداء وعرض الواقع دون أدنى خطوة عملية لتغييره، فإن بساطة بعض العاملين خير من قعود المتكلفين، وليكن شعارك"عرفتَ فالزم"، فإنه دليل الإيمان العميق بالحق، وبرهان الوعي الإيجابي الذي يدفع إلى الاستدراك والمبادرة، أما إيثار السلامة والاكتفاء بالعتاب فحرفة يتقنها العاجزون.
فاحذر أن يكون همَك العنوان، وأن تسلب لبَك الظواهر، فأكثرها سحابة صيف، واجتهد في إجهاد نفسك، فعند الأعمال تستبين معادن الرجال، وقل: ماذا قدمتُ لديني؟ فإن الله قد قال:] إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ [[يس:12] ، واغتنم خمسا قبل خمس، فالعمر قصير، والأنفاس معدودة، واخش يوما يقول فيه المتكلمون] رَبِّ ارْجِعُون، ِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ [، فيجابون:] كَلاّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [[المؤمنون:100] ، واعلم أن ما مضى من الدنيا أحلام، وما بقي منها أماني، والوقت ضائع بينهما. فتفقد نفسك.
إن دولة الإسلام عزيزة غالية، لا يستحقها إلاّ الذين جعلوا أنفسهم وقفا لله. ودون التمكين جسرٌ من العمل لا يجتازه إلاّ] مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا [[الأحزاب:23] . فاصدق الله يصدقك، وبنفسك فابدأ، واعلم أنه:] لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاَ أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا [[النساء:123] ، وإنما يَنال شرفَ العمل من فرّغ خاطره للهَمّ بما أمر به، و"من لم يباشر حر الهجير في طِلاب المجد لم يقِلْ في ظلال الشرف، فشمر على ساعد العمل فما نيل العلا بالأماني" [الفوائد] .
والحمد لله وهو ولي التوفيق
[1] وعوامل انهيار هذه الأمة على كثرتها لا تكاد تخرج عن أمرين اثنين: أولهما الانحراف الخطير الذي أصاب المفاهيم والحقائق، وثانيهما الفصام النكد الذي أقامه الناس بين علمهم بالحق والعمل به.
[2] نقلا عن قدر الدعوة
[3] بعد رحمة الله تعالى كما هو معلوم عند جميع المسلمين.