وهذا كله يفرض علينا أمورا كثيرة أهمها:
1)التزام المبادرةِ إلى الاستجابة، والحفاظ على نفسية التفاعل الإيجابي مع معاني الحق، وترك التسويف والتلكؤ والتعلل، وأخذُ النفس بالعزيمة، ومغالبتها عندما تميل إلى الكسل، واعلم أن من أكثر من شيء عُرف به، فلينظر أحدكم، بم يحب أن يعرف؟، قال تعالى: {سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران:133] ، وقال عليه الصلاة والسلام: (بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ) [مسلم] ، وقال: (لا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللَّهُ) [مسلم] ، وإذا أردت أن تعرف نفسك هل أنت على الطريق .. ؟، فانظر إلى الذين سبقوك، {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء: 90] [3] .
2)الصدق في ارتباط الجهد بالجد، والحرصُ على الترجمة الأمينة لكامل الوسع إلى حركة ميدانية تُستنفذ معها الطاقة ويُستفرغ معها الجهد، في إصرار على التنفيذ تلين معه المصاعب [4] ، واستشعارٍ صادق لمدلول قوله سبحانه: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة:286] ، (فلا يتبرم بتكاليفه، ولا يضيق بها صدرا، ولا يستثقلها كذلك، وهو يؤمن أن الله الذي فرضها عليه أعلم بحقيقة طاقته، ولو لم تكن في طاقته ما فرضها عليه. ومن شأن هذا التصور - فضلا عما يسكبه في القلب من راحة وطمأنينة وأنس- أن يستجيش عزيمة المؤمن للنهوض بتكاليفه، وهو يحس أنها داخلة في طوقه؛ ولو لم تكن داخلة في طوقه ما كتبها الله عليه، ... ، وهو إيحاء كريم لاستنهاض الهمة كلما ضعفت على طول الطريق) [الظلال] .
3)ارتباط الاجتماع بالاجتهاد، وملازمةُ من يحرك حالُهم هممَ الصادقين، ويثير مقالُهم عزائم العاملين، والابتعادُ بالنفس عن صحبة من لا تنفعك مجالسهم إلاّ المؤانسة باستنزاف أنفاس العمر في حكاية الواقع، أو تطعيم اللقاء بالاستهلاك الكلامي لجديد الأخبار، فإن النفس ميالة إلى من يكلمها ولا يكلفها، قال ابن القيم رحمه الله: (الاجتماع بالإخوان قسمان: أحدهما اجتماع على مؤانسة الطبع وشغل الوقت فهذا مضرته أرجح من منفعته، وأقل ما فيه أنه يفسد القلب ويضيع الوقت. والثاني الاجتماع بهم على التعاون علي أسباب النجاة والتواصى بالحق والصبر فهذا من أعظم الغنيمة وأنفعها) [الفوائد: 51] ، فاحذر، واعلم أن الطباع سراقة، و (الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ) [الترمذي] .
فخذ بالحزم من أمرك فإنه دليل صدق العمل، ودع التباطؤ فإنه عنوان القعود، وغالب الصعاب فإن الجنة قد حفت بالمكاره، ولا ينال المكارم من رضي بالدون، واعلم أن"الجد كله حركة والكسل كله سكون، وفتورك عن السعي في طلب الفضائل دليل على تأنيث العزم" [بدائع الفوائد:3/ 744] ، فاستحضر قصر الأمل، واصدق الله يصدقك، وتذكر أن شهادة الانتساب إلى مجتمع العاملين توجب الابتعاد بالنفس عن تبرير التواني وتسويغ التباطؤ، {وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاّ مَنْ يُنِيبُ} [غافر: 13] .
إن الجهاد ذروة سنام هذا الدين، ولا يصل إلى القمة من خارت عزائمه، ودون المقصود بحر من العمل لا يقطع الا في سفينة الاجتهاد، ومن سهرَ ليس كمن رقد، وعند الجِد يُعرف من بكى ممن تباكى، و {إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَمَا هُوَ بِالْهَزْل} [الطارق:13] ، فكن ممن {أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا} [الإسراء: 19] ، واعلم أن معاني العزة لا ترضى بالضَعف، {فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا} [الأعراف:145] ، وقل (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَن، ِ وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ) [البخاري] ، و"من أدلج في غياهب الليل على نجائب الصبر صبّح منزل السرور، ومن نام على فراش الكسل أصبح ملقى بوادي الأسف" [بدائع الفوائد: 3/ 744] .