دائما - لهذا الدين وقاره في القلوب وتكفل له حرارته في النفوس،"وإلا فمجرد العلم بلا عمل إن لم يضرها لم ينفعها" [زاد المعاد: 3/ 10] [1] .
ثانيًا: إن برهان الصدق في العمل هو الجد في الأخذ به، يقول ابن القيم رحمه الله: (أي يفر من إجابة داعي الكسل إلى داعي العمل والتشمير بالجد والاجتهاد، والجد ههنا هو صدق العمل وإخلاصه من شوائب الفتور ووعود التسويف والتهاون) [المدارج:1/ 470] ، قال تعالى: {فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ} [الأعراف:145] ، قال القرطبي:"بجد ونشاط" [التفسير] . فغياب معاني الجد في الأخذ بالعمل دليل على فقدان العزيمة، وضَعفِ اليقين، ومن قعد عن الجد وزعم أنه يرجو رحمة الله فإنه يتمنى على الله الأماني، يقول ابن القيم رحمه الله: (التمني يكون مع الكسل ولا يسلك بصاحبه طريق الجد والاجتهاد، والرجاء يكون مع بذل الجهد وحسن التوكل ... ولهذا أجمع العارفون على أن الرجاء لا يصح إلا مع العمل) [المدارج: 2/ 35] .
ثالثًا: إن الصراع من حولنا مستعر، والعدو في حربه للإسلام مجتهد، قال سبحانه: {وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} [إبراهيم:46] ، فهي حرب على الإسلام والمسلمين لا هوادة فيها، هدفها معلوم {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً} [النساء:89] ، وطبيعتها قديمة متجددة {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ} [الأحزاب:10] ، وأهم وسائلها {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [الأنفال:73] ، والموقف الشرعي منها واضح {وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران:139] ، {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال:60] .
فأين أنت؟ ..
إن العمل بهذا الدين وله ليس كلمة تقال باللسان، ولا هو شعار يرفع بلا رصيد من الواقع، وإنما {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة:111] . والصدق في العمل حالة من التيقظ المتواصل الذي يدفع العاملين إلى الاغتنام الكامل للفرص، والحركةِ الدائبة التي لا تحول دونها العوائق، والإيجابية العالية التي تفتح الآفاق وتكتسب مع الزمن مواقع التأثير.
فطريق العمل أكبر من أن يزعمها من التصق بالفرش وقبع في بيته يستهلك العناوين، أو اكتفى بالإجترار السلبي لأحزان الواقع والبكاءِ على الأطلال، بل إنها أكبر من أن يزعمها مَن طبعه التهاون المميت الذي يَكسر به إرادة العاملين، أو الإستهلاك السلبي الذي يستنزف به جهود الصادقين، أو التواني والكسل الذي يفني به أكثر عمره في النوم والاسترخاء، ... فلنكن صرحاء هل نحن قوم جديون.؟ [2]
إن الإسلام اليوم بحاجة إلى أصحاب النفوس المتجردة، والقلوب الصادقة، والهمم العالية، الذين تحترق أكبادهم لضياع عز هذا الدين، وتتقد نفوسهم لإرجاع مكانته، وتهتز مشاعرهم للعمل له، فيأخذونه بصدق وثبات، شعارهم: {فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا} [الأعراف] . قوم لا يرتاحون إلاّ بالنصب، ولا يرضون إلاّ بالتّزود من لذة التعب، فيتعارفون على ازدراء التسويف واستنكار التلكؤ ورفض التعلل، ويقفزون على حجب المكاره، ويستعلون على عقبات الطريق، في نشاط متجدد يدل عليه الإتقان المتميز في الأداء، وتضحية مثالية تظهر بجلاء في مستوى العطاء، أما الذين يستطيعون الجلوس إلى بعضهم طويلا يتبادلون التحاب وتغمرهم رحاب التآخي فإذا جاء العمل قل نشاطهم وفتر اندفاعهم فما أبعدَهم عن الطريق.