الصفحة 32 من 46

إن حركة الأفراد باعتبارهم أفرادا تبقى - في أحسن أحوالها - حركة محدودة بحدود الفرد، رهينة بقدرته، ضعيفة بضعفه - مهما كبرت في عيون أصحابها - قاصرة عن تحقيق مقاصد هذا الدين، لا يمكن أن تقيم جهادا ولا أن تبني دولة إلاّ أن تنصهر في جماعة منظمة يربط بين أعضائها ولاء إيماني وأخوة صادقة، ومن ظن ذلك معرقلا لحرية الإنطلاق أو مضيقا لإطار التحرك فقد أغفل سنن الله في الخلق والأمر ولم تتشرب نفسه طبيعة هذا الدين، فإن سنة الله جل وعلا قد اقتضت أن تكون القوة في الجماعة وإن أوتي العامل أسباب ذي القرنين [1] .

وهذا كله يفرض علينا أمورا كثيرة نختصرها فيما يلي ...

أولًا:

الانتماء إلى جماعة منظمة من أهل الحق مهما قلّ عددهم، والانسلاخ من العزلة المقعِدة والانطلاق الفردي،"فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ" [أحمد] ، واتخاذ ذلك دينا يتقرب به إلى الله جل وعلا، وواجبا عينيا مضيقا تفرضه حقيقة العبادة ومتطلبات الولاء الإيماني، وضرورةً واقعية للانتقال من أجواء الثخم الفكري، وتهورات الارتجال الفردي، إلى الواقع الصحيح لانطلاق الحركة بهذا الدين، والإطار السليم للبناء الفكري والنفسي عند من يقبلون عليه.

(1) تتأسس اللبنات الأولى للعمل الجماعي كأثثر طبيعي للتجانس الفكري والتقارب النفسي الموجود بين أهل الصدق من العاملين، إلاّ أن من يستهدف إيجاد الطائفة المؤهلة لحيازة الموقع الطلائعي في الأمة الإسلامية لابد له من التفعيلِ الصادق لقواعد البناء، والأخذ الجدي بسبل الارتقاء، مع الاعتماد - خصوصا في البداية - على القلة المحققة للفاعلية من خلال سمو المستوى الإيماني، وصلابة الارتباط التنظيمي، وكفاءة الأداء الحركي، والاقتصار في كل مرحلة على العدد المناسب لطبيعة الظروف الذاتية والموضوعية التي تمر بها الجماعة. وغالبا ما تؤدي هذه الطريقة إلى كثرة التجمعات الصغيرة في القطر الواحد، إلاّ أن وحدة المنهج وإخلاص القصد والتجرد من حظوظ النفس واستحضار ضرورة الوحدة عواملُ كفيلة بالتبلور التدريجي للجماعة المرجوة عن طريق التواصل المدروس بعد أن يكون الجميع قد اكتسب تجربة حركية لا بأس بها من خلال المعاناة الميدانية، فتقل المخاطر وينضج الجميع بلا أخطاء قاتلة ... فتأمل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت