الصفحة 25 من 46

قال ابن القيم رحمه الله: (فالحكمة إذن: فعل ما ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي) [المدارج] [1] .

والعمل الإسلامي مشروع جماعي متكامل يهدف إلى تغيير جدري للواقع الجاهلي، بأداء متوازن تتحدد فيه سياسة التحرك من خلال التقييم الجيد للمعطيات الذاتية، والمعرفة العميقة بطبيعة الظروف الموضوعية، وينتظم فيه البناء الداخلي تبعا لضوابط الكفاءة والأمانة، مع ملاحظة متطلبات المرحلة، ومقومات الاستمرار، بعيدا عن الارتجال الذي يحركه الاستفزاز فيؤدي إلى الخلط بين المراحل ويقزم المفاهيم ويختزل الأداء، أو الفوضى التي تبعثر الصف وتضعف فاعلية العطاء.

إن دماء الشهداء -رحمهم الله- التي سالت على هذا الطريق تفرض على الذين جاءوا من بعدهم أن يكملوا السير بلا تردد، وأن يواصلوا العمل بلا توقف، لكن هذه المرة بفقه للشريعة أعمق، ووعي بالواقع أدق، فالجهاد ليس حبا للشهادة فحسب، فلا يستحضر له من المقاصد إلاّ معانقة الحور، ولا هو فورة حماسة آنية فلا يطلب لها إلاّ شجاعة الرجال، وإنما هو -مع ذلك كله- حرب تحمل في طياتها مشروعا سياسيا يهدف إلى إقامة دولة إسلامية يُعز بها أمر هذا الدين وتستأنف بها حياة الخلافة!!

وهذا يفرض علينا أمورا كثيرة أهمها:

أولا: التحديد الدقيق للعمل؛

والانتقال من عقلية التعامل السطحي مع المفاهيم الإسلامية إلى البيان الواضح للمدلول الذي تتجلى به معالم المسار، وتتحدد به ثوابت العمل، لأن الإجمال في مقام التفصيل مذموم، والحركة مع ضباب الرؤية توقع في الحفر، وقد تخرج العامل عن الطريق، والشعار الفضفاض بضاعة مزجاة في سوق أهل الحزم، فاسأل نفسك ماذا أريد بالضبط؟ فإن ذلك أوفر للجهد، وأفضل لبلوغ المقصود، أبلغ في تمييز العبادة عن العادة.

(1) وهذا يقضي بضرورة ملاحظة الفوارق الطبييعية بين الأقطار، مع الاهتمام بما تتسم به المرحلة الراهنة من مؤامرات تستهدف احتواء المد الإسلامي، وتحالفاتٍ أمنية وعسكرية عالمية يصعب أن تجتمع إلاّ على محاصرة العاملين لهذا الدين، واعتبار هذه الملاحظات عند إرادة تحديد سياسة التحرك، لتكون الدعوة هادفة، والبناء متقنا، والإعداد متكاملا، والجهاد مؤثرًا، قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء) [مسلم:1955] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت