الصفحة 59 من 70

ولقد أصبحت الأمة غُثاءً كغثاء السيل حتى نُزعت مهابتها من قلوب أعدائها كما في حديث ثوبان، وفي حديث عبد الله بن مسعود: (إذا ظَهرَ الربا والزّنا في قريةٍ أذن الله عز وجل بهلاكها) وقد ظهر ذلك ظهورًا بيّنًا، وقد قيل لحذيفة رضي الله عنه: في يوم واحد تركت بنو إسرائيل دينهم!! فقال: (لا، ولكنهم كانوا إذا أمروا بشيء تركوه وإذا نُهوا عن شيء فعلوه حتى انسلخوا من دينهم كما ينسلخ الرجل من قميصه) .

وليُنظر حال الفلسطينين وغيرهم من العرب كيف شابهوا بني إسرائيل في ذلك، وفي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (يا معشر قريش .. إنكم أهل لهذا الأمر ما لم تعصوا الله فإذا عصيتموه بعث عليكم من يلحاكم كما يُلحى هذا القضيب والقضيب في يده، ثم لحى قضيبه فإذا هو أبيض يصلد) .

فتأمل هذا وأنه ليس بين الله وبين عباده نسب، وانظر قوله صلى الله عليه وسلم: ( ... فإنكم أهل لهذا الأمر ما لم تعصوا الله فإذا عصيتموه بعث عليكم من يلحاكم كما يلحى القضيب) فأليس في هذا عبرة لمن يعتبر وموعظة لمن يتعظ!

وإن كل شر في العالم فإنما سببه الذنوب وقد لا يرى العبد أثر الذنوب السيء في الحال فقد يتأخر تأثيرها فينسى ذلك ويظن أن الله لا يُغيّر عليه سواء في خاصته أو ما يعمّ شره من الذنوب.

وقد قال ابن القيم رحمه الله في ذلك: (وسبحان الله ماذا أهلكت هذه النكتة من الخلق، وكم أزالت من نعمة، وكم جلبت من نقمة، وما أكثر المغترين بها من العلماء والفضلاء فضلًا عن الجهال، ولم يعلم المغتر أن الذنب ينقض ولو بعد حين كما ينقض السهم وكما ينقض الجرح المندمل على الغش والدغل) ، ثم ذكر قول أبي الدرداء رضي الله عنه: (وأن الإثم لا ينسى) .

وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في كتابه"الجواب الكافي"أثار الذنوب والمعاصي وأطال، حتى أتى بما يُدهش وما بعضه يكفي في الزجر عن معاصي الجليل سبحانه وبحمده، بل وأتى بما بعضه يكفي لمعرفة سبب تسليط اليهود على العرب. وسأنقل نبذة مختصرة من كلامه في ذلك لمعرفة شؤم الذنوب وآثارها وعقوباتها في القلب والبدن في الدنيا والآخرة مما لا يعلمه إلا الله، فمن آثارها: (حرمان العلم وحرمان الرزق.

"ومنها": وحشة يجدها العاصي في قلبه بينه وبين الله لا يوازيها ولا يقاربها لذة أصلًا ولوْ اجتمعت له لذات الدنيا بأسرها لم تفِ بتلك الوحشة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت