الصفحة 58 من 70

ولقد قال بختنصر لدانيال: ما الذي سلّطني على قومك؟ قال: (عظم خطيئتك وظلم قومي أنفسهم) .

فتأمل هنا قوله: (وظلم قومي أنفسهم) لتعلم أن هذه الشعوب إما أن تقول: (لم نظلم أنفسنا) فينقطع معها الكلام حينئذٍ ولا يُتعب المرء نفسه مع من لا يعقل. وإما أن يقولوا: (ظلمنا أنفسنا) فيُقال لهم حينئذ: توبوا إلى ربكم وانزعوا عن موجبات سخطه يُغيّر لكم.

ولقد كان الفُضيل بن عياض رحمه الله تعالى يقول للمجاهدين إذا أرادوا الخروج للجهاد: (عليكم بالتوبة فإنها ترد عنكم مالا تردّه السيوف) .

بل وأبلغ من هذا تذكّر ما جرى في غزوة أحد من مخالفة الرماة وكيف أُديل العدو وسُلّط بسبب ذلك حتى أنزل الله قرآنًا يعاتب فيه سادات الأولياء؛ هذا وهم قد خرجوا جهادًا في سبيله خالصًا لتكون كلمته هي العليا بلا شوائب، ومع ذلك ينزل سبحانه قوله: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذابٌ أليم} . وبلا شك بأن رد بعض قول النبي صلى الله عليه وسلم مما يوجب الزيغ.

بل وقبل ذلك في غزوة بدر ينزل الله في شأن الأسرى {لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم} ، وفي غزوة حنين تحصل الهزيمة لكلمة قيلت (لن نُغلب اليوم من قلّة) ، وينزل الله في ذلك قرآنًا فيه العتاب حيث يقول سبحانه: {لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حُنين إذا أعجبتكم كثرتكم ... الآية} .

وأخرج أحمد أثر جبير بن نفير أنه قال: (لما فُتحت قُبرص فُرِّقَ بين أهلها فبكى بعضهم إلى بعض فرأيت أبا الدرداء جالسًا وحده يبكي فقلت: يا أبا الدرداء ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟ فقال: ويلك يا جبير ما أهون الخلق على الله عز وجل إذا أضاعوا أمره. بينما هي أمة قاهرة ظاهرة لهم الملك تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى) انتهى.

فانظر قوله (ما أهون الخلق على الله إذا أضاعوا أمره) فالنجاة والنصر والعز إنما تكون في القيام بأمر الله و ضد ذلك إنما هو في تضييعه ولا طريق ثالث البتة.

وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إِذا ظَهَرَتِ المَعاصي في أُمَّتي عَمَّهُم الله بعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ ... الحديث) ، وقد ظهرت المعاصي والكفريات في كل أرض ظهورًا لم يسبق له مثيل فكيف يُستنكر عذاب الحروب إذًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت