وإن التوبة ليست مجردُ قولٍ باللسان وإنما هي مع ندم القلب حركة تغيير وانتقال مما يسخط الرب سبحانه إلى ما يرضيه لينتقل هو للعباد مما يغضبهم ويضرهم إلى ضده.
إنهم كثيرون في زماننا الذين يتكلمون في الدين في مهمات الأمة الكبرى وهم لا يحسنون إصلاح نفوسهم واستقامتها، ولذلك فإن مجالات لومهم وتعنيفهم لاتخرج عن محيط الحكام والدول وكأن الشعوب صُلحاء أتقياء!!
إنها لو صلحت الرعية لصلحت الرعاة و"كما تكونوا يُولّى عليكم".
أفما آن الآوان بعد ذلك لأن يستيقظ النائم ويستفيق الحالم ويعلم من يدعي أنه يهتم بأمر المسلمين أن طرقهم مسدودة. وأبواب نصرهم مغلقة لبلاء فيهم وهو سبب مصائبهم ودواهيهم.
وإنهم كثيرون أيضًا أصبحوا لا يستطيعون السمع إذا قيل لهم: إن سبب خذلان الشعوب المغلوبة إنما هو الذنوب.
وما سِرُّ هذا الوقر في مسامعهم إلا أنهم مشاركون في الآثام والعيوب.
وهل آن للشعوب المخذولة الآوان إلى أن تنظر بصدق إلى أسباب خذلانها لتتخلص منها! وذلك بأن تقلل من لوم الحكام والدول راجعة بالملامة على نفسها فتغير من حالها ليغير الله لها! ولقد تعلقت الشعوب اليوم بالحكام لأنها داخلة في ظلماتها حتى توكلت عليها لمشاركتها في تغييراتها وتبديلاتها، ومع هذا حمّلتها الملامة دونها! ولما وقعت في الشدائد إذا الطريق التي في سلوك نجاتها مسدودة، فوُكِلَت على من تعلقت به وتوكلت عليه، وهذا هو عين الخذلان بلا شك.
ولقد أخرج أحمد وابن ماجة أثرًا عن مالك بن دينار أنه قال: قرأت في الحكمة أن الله عز وجل يقول: (أنا الله مالك الملوك. قلوب الملوك بيدي، فمن أطاعني جعلتهم عليه رحمة، ومن عصاني جلعتهم عليه نقمة. فلا تشغلوا أنفسكم بسَبِّ الملوك. ولكن توبوا إليَّ أعطفهم عليكم) .
فتأمل قوله عز وجل: (توبوا إليَّ) لتعلم بأنه ليس لنا من طريق نجاة إلا بالرجوع إلى من بيده أزمّة الأمور، وإنما يكون ذلك بالتوبة الصادقة إذ أن للذنوب آثار سوء في الدنيا قبل عقاب الآخرة.