الصفحة 36 من 70

بعد ذلك ذكر ابن القيم شِعْر جِنّيٍّ، كان مُشَاهدًا لِمَا حصل عند خيمة أمِّ مَعْبَد، وأنه أزرى بقريش وذمَّهم لِمَا فعلوا بنبيهم صلى الله عليه وسلم، وحتى يعلم الكفار أن شاة أم معبد وهذا الجني لا يساوون عندنا بالكفار كلَّهم، أسوق أبيات هذا الجني الذي طار إلى مكة يؤنب قريش.

قال ابن القيم رحمه الله - بعد الكلام السابق: (وأصبح صوت بمكة عاليًا يسمعونه ولا يرون القائل:

جَزَى الله ربُّ العرشِ خيرَ جَزَائِهِ ... رفيقينِ حَلاَّ خيمتَيْ أمّ مَعْبَدِ

هُمَا نزلاَ بالبِرِّ وارتحلاَ بِهِ ... وأفلحَ مَن أمْسَى رفيقَ مُحَمَّدِ

فيَا لِقُصَيٍّ مَا زَوَى الله ُعَنكُمُ ... به مِنْ فِخَارٍ لا يُحََاذَى وَسُؤْدَدِ

لِيَهْنِ بني كعبٍ مكانَ فَتَاتِهِمْ ... ومقعدها للمؤمنينَ بِمَرْصَدِ

سَلُوا أختكُمْ عَنْ شاتِهَا وإنائِهَا ... فإنكُمُ إنْ تسألوا الشاءَ تَشْهَدِ

فلمَّا سَمِع حسان بن ثابت - شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك شَبَّبَ - أي ابتدأ - يُجيب الهاتف وهو يقول:

(لقد خابَ قومٌ زالَ عنهمْ نبيُّهُمْ ... وقُدِّسَ مَنْ يَسْرِي إليهِ ويَغْتَدي

تَرَحَّلَ عنْ قومٍ فزالتْ عقولُهُمْ ... وَحلَّ على قومٍ بِنُورٍ مُجَدَّدِ

هَدَاهُمْ بهِ بعد الضلالة رَبُّهُمْ وأرشَدَهُمْ مَن يَتْبَعَ الحقَّ يَرْشُدِ)

قالت أسماء: (ما دَرَينا أين توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذْ أقبل رجلٌ من الجن من أسفل مكة فأنشد هذه الأبيات والناس يتبعونه ويسمعون صوته ولا يرونه حتى خرج من أعلاها ... فلما سمعنا قوله عرفنا حيث توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن وجهه إلى المدينة) [1] انتهى مع تصرف يسير.

إن الغيرة لله ولنبيه ولدينه؛ إذا كانت صادقة فآثارها لابد أن تظهر على سلوك مَن غار، وإلا فهي كثوَرَان الغبار لسقوط جدار.

وإليك هذا المثال المقرب لما نحن بصدده؛ ولَدٌ عاقٌّ بوالده، لا يمتثل أمره ولا ينتهي عن نهيه، مبارزٌ له بما يكره، سمع مرة مَن يسب أباه فعاقبه، فَعَلِم الوالد بذلك فقال

(1) أخرج حديث"أم معبد"الطبراني في"المعجم الكبير"برقم (3605) ، وابن أبي عاصم في"الآحاد والمثاني"برقم (3485) ، واللالكائي في"اعتقاد أهل السنة"برقم (1437) ، والحاكم في"مستدركه"برقم (4274) ، وقال: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرِّجاه) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت