يفرّ سراعًا مبعدًا عن هؤلاء وعن مشابهتهم ومشاركتهم في أقل الأمور وأتفهها، حتى ولوْ كانت من أمور الدنيا، بل ينبغي له أن يقصد إلى مخالفتهم وتحري العمل بعكس ونقيض ما هم عليه ليكون بمنجى من غضب الله ولعنته) [1] .
ومما يتصل بهذا الموضوع أيضًا: النداء للصلاة بمكبر الصوت الذي صار في بلاد العرب معروفًا، وهو منكر شنيع إذ أنه أعظم نكارة من قنع اليهود وناقوس النصارى، وقد قال عنهما النبي صلى الله عليه وسلم لما أشير بهما لإيذان الناس بالصلاة: (إنهما من أمر اليهود والنصارى) . وكان صلى الله عليه وسلم قد اهتم لذلك فأري عبدالله بن زيد رضي الله عنه الأذان في منامه، وكذلك رآه عمر رضي الله عنه فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم، وقد روى الحديث أبو داود في سننه بسند صحيح.
قال ابن تيمية بعد ذكر أحاديث الأذان: (وإنما الغرض هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كره بوق اليهود المنفوخ بالفم وناقوس النصارى المضروب باليد علل هذا بأنه من أمر اليهود وعلل هذا بأنه من أمر النصارى لأن ذكر الوصف عقيب الحكم يدل على أنه علة له، وهذا يقتضي نهيه عن كل ماهو من أمر اليهود والنصارى) ، ثم ذكر كلامًا، ثم قال: (وهذه المشابهة لليهود والنصارى وللأعاجم من الروم والفرس لما غلبت على ملوك الشرق هي وأمثالها مما خالفوا به هدي المسلمين ودخلوا فيما كرهه الله ورسوله سلط الله عليهم الترك الكافرين الموعود بقتالهم حتى فعلوا في العباد والبلاد مالم يجر في دولة الاسلام مثله، وذلك تصديق قوله صلى الله عليه وسلم:"لتركبن سنن من كان قبلكم ...") [2] .
وقال رحمه الله في مؤذنين يؤذنون بصوت واحد: (وأما المؤذنون الذين يؤذنون مع المؤذن الراتب يوم الجمعة في مثل صحن المسجد فليس أذانهم مشروعًا باتفاق الأئمة، بل ذلك بدعة منكرة) [3] .
وليُعلم أن هذا الميكرفون الحادث أعظم مما أنكره النبي صلى الله عليه وسلم وأعظم من صفة الأذان التي قال عنها شيخ الاسلام: (بدعة منكرة) . لأنه مرارًا وتكرارًا يسمع منه الغناء والموسيقى فوق المنائر، وهذا عظيم، كما أن المراد منه هو المبالغة بالطريقة الشرعية، وهذا هو وصف البدعة. ولقد تولد منه أن صارت الاقامة تقام فيه فصارت أذانًا ثانيًا مبتدعًا لأن الإقامة لأهل المسجد كما أن صوت الأذان فيها يصبح أكثر من واحد لتعدد الأبواق كفعل المؤذنين الذين ذكر الشيخ، ولقد عم ذلك جميع الديار.
(1) إقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم، هامش ص 171.
(2) 16 اقتضاء الصراط المستقيم ص 117.
(3) 17 الاختيارات الفقهية للبعلي ص 39.