الصفحة 20 من 70

لقد كان الناس في معايشهم على البساطة واليُسر وما تسْتدعيه الفطرة وتنسجم معه في كل الأحوال. وإنما قَلَبَ أحوال الناس كلها هذا الدخيل الأجنبي فجرّهم إلى ما أفسد دينهم وأرْهقهم في دنياهم. ولا ريب أن الشر لا يأتي بالخير.

ولذلك يقول ابن تيمية رحمه الله في مصلحة مخالفة الكفار والتضرّر بموافقتهم: (فإذًا المخالفة لهم فيها منفعة وصلاح لنا في كل أمورنا حتى ما هم عليه من إتقان أمور دنياهم فالمخالفة فيه صلاح لنا) [1] .

فإذا كان هذا في التشبه بهم بإتقان أمور دنياهم فكيف بغيره. مع أن موافقتهم في إتقان أمور دنياهم بلغ غايته ومنتهاه، وهو من أسمى المطالب عند أكثر أهل الأرض وفيه يتنافس المتنافسون مع أن دنياهم غير صالحة للمسلمين، وسأبين ذلك إن شاء الله في كتاب: (حضارة أشباه الأنعام في ميزان الإسلام) .

ومن هنا جاء فصل الدين عن السياسة وعن مراجع للناس كثيرة لعدم الملائمة بين هذا الدخيل والدين إذ أن ذلك مسْتورد من الكفار ويسير عليه نظام حياتهم وهذه المراجع النظامية فرضت عليهم.

وأعمال الكفار متأثرة بعقائدهم وطبائعهم، وحتما فهي مؤثرة بمن يسْتن بسننهم ويسلك مسالكهم، فدينهم باطل ودنياهم قائمة على مقتضاه، ولذلك فقد ذكر ابن تيمية أن العادات لها تأثير عظيم فيما يحبه الله وفيما يكرهه [2] .

ومن هنا اغترب الدين الحق المتمثل في جميع أحوال المسلم الدينية والدنيويّة فيما مضى، حيث إن الإسلام ألبس غير لباسه فأظلم بغشيان ظلمة التشبه بالكفار, ولذلك اختلت الموازين وصار الحليم حيرانًا!

والنبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن التشبه بالكفار، حيث يقول: (من تشبه بقوم فهو منهم) ، ولقد أصبح في زماننا مثل السوء في هذا الأمر بالذات مجال المنافسة.

وليس النهي عن مشابهة الكفار وقتًا دون وقت أو قومًا دون آخرين.

(1) إقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم ص 57.

(2) إقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم ص 163.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت