الصفحة 19 من 70

هذا مفترق الطرق بين النهج السلفي والنهج التشبّهي الحادث الذي سبّب للأمة الإعراض عن الآخرة والإقبال الشديد على الدنيا، كما سبّب شدة الحياة وكدرها ونكدها والذل والهوان وتسلط الكفار.

ولقد كان من ثمار ذلك موادة الكفار وتعظيمهم وتلاشي الفرقان بين المسلم والكافر لأن التشبه في الظاهر يدعو إلى المودة في الباطن كما ذكر العلماء.

والتشبه بالكفار منهي عنه في أمور الدين والدنيا.

قال ابن تيمية رحمه الله: (وأما السنة فجاءت بالإخبار بمشابهتهم في الدنيا وذم ذلك والنهي عن ذلك، وكذلك في الدين) ، وقال: (ثم هذا الذي دَلّ عليه الكتاب مشابهة بعض هذه الأمة للقرون الماضية في الدنيا وفي الدين وذم من يفعل ذلك دلت عليه أيضا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم) [1] .

ومن جَرّاء النظامات التشبّهية تعلقت قلوبُ الشعوب بحكامها في طلب المعيشة كما انشغلت أبدانهم بأعمالهم النظامية الدخيلة مما أثر تأثيرًا بليغًا في عبودية التوكل على الله مع حيْلولته بين العباد وبين الأسباب التي يتحصل معها الرزق الطيب بسلامة الدين.

كما هوّن ذلك أمر القوانين الكفرية والنظامات المتولدة منها مما طبّق بلاد العرب كلها، وهو مناقض لكلمة التوحيد.

ولقد كان لهذا التحول آثار سوء يصعب حصرها، فمن ذلك:

نقص عقول المسلمين فقد ذكر ابن تيمية رحمه الله أن مشابهة الصحابة والتابعين تزيد الدين والعقل والخُلق [2] . والمسلمون يعرفون بمن تشبهوا به اليوم ولذلك نقصت العقول، كذلك فقد صارت أفكار المسلمين مشلولة من جرّاء الآلية في العلم والعمل وما يحيط بهم مما انصبغوا به صِبْغة، ومن هنا ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس وعَسُر الإصلاح بل تعذر لأجل فساد الأصل، وغير ذلك كثير من الشرور العظيمة حدثت بسبب التفريط في المشروع وركوب السَّنن.

(1) إقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم ص 27.

(2) إقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم ص 207.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت